حرية – (14/10/2023)
يعرف جميع رواد وسائل التواصل الاجتماعي والباحثين عن الأسرار والنظريات المؤامرتية عائلتي روكفلر وروتشيلد الشهيرتين، بل يعتقد كثيرون بأن هاتين العائلتين تنقلان أسرارهما جيلاً بعد جيل بشكل سري لكي تبقيا سيطرتهما على المصارف العالمية والقرارات السياسية الأساسية التي تأخذها الحكومات في اللحظات المفصلية.
ويضاف إلى هاتين العائلتين، من يتابع أسرار العائلات الملكية الموجودة في عصرنا مثل الأسرة الملكية البريطانية على افتراض أن الأسر التي تنقل السلطة بالوراثة، لا بد من أنها تتناقل أسرارها أيضاً معها، وهناك من يتابع عائلات كبرى بعينها من دون أن تكون وراثية في سلطاتها مثل آل كينيدي وآل كلينتون وآل بوش وآل ترمب وغيرهم من عائلات التسلط في أفريقيا أو عائلات الرأسمال الضخم في آسيا واليابان وشرق آسيا.
هناك “أسرار عائلية” تنتقل من جيل إلى جيل ويمكن أن تتخذ هذه الأسرار أشكالاً مختلفة، وعادة ما يتم الإبقاء عليها داخل الأسرة للحفاظ على سمعة العائلة أو حماية خصوصية الأفراد، أو للاستمرار في السيطرة والمعلومات.
وعلى سبيل المثال ربما يكون لدى العائلات تاريخ من حالات أمراض عقلية، أو اضطرابات وراثية تبقيها سرية أو من المحتمل أن يكون أفراد العائلة متورطين في أنشطة إجرامية يتم إخفاؤها أو تعمد أسر أخرى إلى إخفاء الصعوبات المالية أو الديون أو الإفلاس للحفاظ على واجهة من الرخاء أو النجاح أو قد تكون لدى العائلات أسرار تاريخية أو أسرار تركها الأجداد تتعلق بأصولهم أو نسبهم أو أعمالهم غير المشروعة في الماضي التي مثّلها فيلم “العراب” الشهير خير تمثيل عبر الكشف عن تاريخ العائلات الإجرامي الذي يتم إخفاؤه خلف ستارة من الأعمال الخيرية الباذخة ودعم السلطات الدينية ورشوة المسؤولين في السلطات الحكومية لتمرير الصفقات أو لغض النظر عن الأعمال غير القانونية.
عائلتا روتشيلد وروكفلر وكذلك العائلة المالكة البريطانية من العائلات التي كانت موضوع إشاعات وتكهنات مختلفة في ما يتعلق بالأسرار والثروة المخفية والنفوذ.
فأن تمثل عائلة روتشيلد سلالة مصرفية بدأت في أواخر القرن الـ18 هو معلومة معروفة وصحيحة، لكن على مر السنين ارتبط اسم العائلة بعدد من نظريات المؤامرة والإشاعات حول ثروة أفرادها وقوتهم ونفوذهم، ولعل إحدى الإشاعات المتداولة هي أن عائلة روتشيلد تسيطر سراً على المؤسسات المالية العالمية والحكومات، فثروة العائلة ونفوذها في القطاع المالي صحيحان وموثقان جيداً، لكن مدى سيطرتها على الأحداث العالمية هو تخمين لا تدعمه أدلة ملموسة.
أما عائلة روكفلر، فمعروفة بارتباطها بصناعة النفط الأميركية من خلال شركة “ستاندرد أويل” وتناولتها أيضاً إشاعات وتكهنات حول ثروتها ونفوذها، ومنها أنها تسيطر سراً على الحكومات وتسهم في مجرى الأحداث العالمية، وبينما كان للعائلة تأثير مالي كبير حقيقي وموثق، إلا أن مسألة تحكمها بالقرار السياسي العالمي فأمر ما زال مجرد تخمين أو نظرية مؤامرة لا أكثر، على رغم أنها دعمت الجهود لتأسيس جمعيات ومنظمات خيرية حول العالم ومن بينها مؤسسة روكفلر التي ساندت قضايا مختلفة في جميع الدول.
مع مرور الوقت، ظهرت إلى النور بعض الأسرار والفضائح التاريخية داخل العائلة المالكة البريطانية مثل أزمة التنازل عن العرش التي تورط فيها الملك إدوارد الثامن أو مزاعم وجود علاقات خارج نطاق الزواج بين أفراد الأسرة، ومع ذلك فهذه أحداث تاريخية وليست أسراراً تخضع لحراسة مشددة.
لكن لو أخذنا التفسير الرسمي لحادثة مقتل الأميرة ديانا وقارناه بنظرية المؤامرة سنجد الفرق بين الواقعي وغير الواقعي في القصة، ففي التحقيق الرسمي الذي قادته السلطات الفرنسية تبين أن الحادثة التي وقعت داخل نفق “جسر ألما” في باريس كان سببها في المقام الأول السلوك المتهور للسائق.
واتضح أن هنري بول الذي كان يقود السيارة كان مخموراً ويقود بسرعة عالية أثناء محاولته التهرب من الـ”باباراتزي”، ولم يجد التحقيق أدلة موثوقة على وجود جريمة أو مؤامرة تتعلق بالعائلة المالكة البريطانية، أما نظرية المؤامرة فتقول إن الأميرة اغتيلت لمنعها من الكشف عن معلومات تسيء إلى العائلة المالكة البريطانية.
وفي أحيان كثيرة، تطرقت وسائل الإعلام إلى نظريات المؤامرة، مما أدى إلى نشرها على نطاق واسع، فجاذبية القصص المثيرة وأسرارها يمكن أن تجعل من الصعب على الجمهور تمييز الحقيقة من الخيال، بحسب تفسير علم النفس لنظرية المؤامرة، وبرأي علم النفس أيضاً أن نظريات المؤامرة تزدهر في الثقافات التي يسود فيها غياب الثقة بالسلطات، ويبحث الأفراد عن تفسيرات بديلة للأحداث المهمة تتداخل فيها العوامل النفسية القائمة على التحيز المعرفي.
بين المؤامرة والنفي
من أحد الأسرار الملكية الأكثر شهرة يتعلق بتنازل الملك إدوارد الثامن ملك المملكة المتحدة عام 1936 ليتزوج واليس سيمبسون، وهي امرأة أميركية مطلقة، لكن الظروف المحيطة بالتنازل بما في ذلك العلاقة واحتمال حدوث أزمة دستورية ظلت سرية في البداية، لكن تم الكشف عنها في النهاية للجمهور.
الأمر نفسه تكرر حول مصير العائلة الإمبراطورية الروسية بما في ذلك القيصر نيقولا الثاني وعائلته حين اتهم البلاشفة بإعدامهم خلال الثورة الروسية عام 1918، وأنكرت الحكومات السوفياتية تورطها في الأمر إلا أنه بعد عقود قليلة ظهرت تفاصيل قتلهم وتم اكتشاف بقايا آل رومانوف والتعرف إليها.
في مثال آخر كانت العائلة الإمبراطورية اليابانية تحتفظ بتاريخ طويل من التقاليد والعادات التي تظل خاصة وبعيدة من معارف الجمهور، وتم تناقل هذه التقاليد بما في ذلك الاحتفالات والطقوس المختلفة عبر الأجيال ولا يعرفها سوى عدد قليل مختار من أفراد الأسرة.
وعائلة كينيدي سلالة سياسية أميركية بارزة كان لها نصيبها من نظريات المؤامرة حول الأسرار العائلية، وكانت حادثتا اغتيال الرئيس جون كينيدي وأخيه بوب من بعده وقصص مختلفة حول علاقاتهما السرية بالنساء محل تداول بين الجمهور، أما حادثة السير في جزيرة تشاباكويديك التي تورط فيها السيناتور تيد كينيدي عام 1969 والتي أدت إلى وفاة ماري جو كوبيتشني فأثارت تساؤلات حول طريقة تعامل عائلة كينيدي مع الموقف وتسببت في الشكوك حول التستر.
حتى مؤسس شركة “أبل” الراحل ستيف جوبز نالته نظريات المؤامرة لأنه لم يعرف عن والديه البيولوجيين إلا في وقت لاحق من حياته، وظل موضوع تبنيه وأصله البيولوجي سراً لأعوام عدة.
وفي التاريخ الحديث كانت الإمبراطورية العثمانية الشاسعة والقوية محل تناول نظريات المؤامرة بسبب الأسرار المتعلقة بمؤامرات القصر والنزاعات حول الخلافة ونظام الحريم الذي كثيراً ما عمل بسرية كبيرة.
آل رومانوف أباطرة روسيا كانت لهم أسرارهم أيضاً وعلى رأسها تأثير راسبوتين في العائلة، ثم الإشاعات التي دارت حول بقاء الأميرة أناستازيا على قيد الحياة بعد الثورة الروسية.
الأسرار المكشوفة
لم يعد من المهم معرفة إذا ما كانت المعلومات التي يتم تداولها عن الأسرار العائلية في جميع التحقيقات المنشورة أو الأفلام التوثيقية الموجودة في كل مكان، صحيحة أو لا، فالمعلومة المتداولة ستجد من سيصدقها ومن سيرفضها في حال كانت مجرد تخمينات غير مؤكدة، أما ما يحدث في الحقيقة فيترك بدوره إلى التخمينات والتوقعات، فتتحول الأسرار الحقيقية التي تتداولها العائلات والأسرار غير الحقيقية أي التي يضخمها الجمهور، كلها في خانة واحدة، أي خانة الحاجة إلى تأكيد صحتها، إلا أن بعض المؤمنين بها لا يهمهم الأمر طالما أنهم يعرفون الحقيقة الخفية بحسبهم وبعضهم عمل ويناضل من أجل فضحها وعرضها على الملأ.
ولم تكن مجموعة “كيو أنون” التي احتلت مبنى الكابيتول في عهد ترمب إلا في إطار هذه المجموعات، ثم أتت وثائق “ويكيليكس” و”وثائق بنما” من بعدها في الإطار عينه لتثبت أن ما يتداوله حكام العالم أمام وسائل الإعلام وما يقدمونه من معلومات للجمهور ليس هو نفسه ما يتم تسجيله في محاضر جلساتهم ولقاءاتهم، وكأن هناك أسراراً يعملون بشكل حثيث على إخفائها على افتراض أن الجمهور العام غير معني بها أو قد تسبب الإرباك له أو أنها معلومات سرية تتعلق بالإدارات والحكومات العميقة، إذ يمكن لتدخل الجمهور العام فيها أن يزيد الأمور فوضى على فوضى عميقة أصلاً.
ما يسهم في انتشار مثل هذه المعلومات سواء الحقيقية منها أو المضللة هو صحة تداول عائلات بعينها لأسرار أعمالها وحرفها الخاصة وأعمالها جيلاً بعد جيل، فالأسرار مثل مواد معنوية يمكن توريثها كما المواد العينية، طالما أنها تحمي إرثاً ما أو ثروة أو سلطة تحققت عبر أجيال قام كل جيل منها بجهود جبارة للحفاظ على ما حققه الجيل السابق.







