حرية | تقرير تحليلي خاص | 5 آذار 2026 – إعداد: قسم التحليل الأمني والسياسي
الأكراد.. قرن من البحث عن الدولة والحقوق في قلب صراعات الشرق الأوسط
يشكل الأكراد واحدة من أكبر القوميات في العالم التي لا تمتلك دولة مستقلة، إذ يتوزع عشرات الملايين منهم بين عدة دول في الشرق الأوسط منذ أكثر من قرن، بعد أن رسمت القوى الدولية حدود المنطقة عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية.
ومع تجدد التوترات الإقليمية وتزايد الحديث عن تحركات مسلحة لبعض الفصائل الكردية في إيران، عاد ملف القضية الكردية إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات الجيوسياسية تعقيداً في الشرق الأوسط، حيث يتداخل التاريخ القومي للأكراد مع صراعات الدول والحدود والسياسات الدولية.
وذكرت مصادر أن جماعات كردية إيرانية مسلحة أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة بشأن احتمال تنفيذ هجمات ضد قوات الأمن الإيرانية في غرب البلاد، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية التي تشهدها المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
ويعيد هذا التطور تسليط الضوء على القضية الكردية التي تمتد جذورها إلى ما يزيد على قرن من الزمن
الجذور التاريخية للقضية الكردية
تعود بدايات الحركة القومية الكردية إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما بدأت الإمبراطورية العثمانية بالتفكك وظهرت حركات قومية بين شعوبها المختلفة.
وبعد الحرب العالمية الأولى، نصت معاهدة سيفر عام 1920 على احتمال إنشاء دولة كردية مستقلة ضمن إعادة رسم خريطة المنطقة. إلا أن هذا المشروع لم ير النور، بعدما تمكن الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك من إسقاط تلك المعاهدة بعد انتصاره في حرب الاستقلال التركية.
وبموجب معاهدة لوزان عام 1923 التي أرست حدود تركيا الحديثة، تم تقسيم الأراضي التي يعيش فيها الأكراد بين عدة دول هي:
تركيا
العراق
إيران
سوريا
ومنذ ذلك الوقت أصبح الأكراد أكبر قومية بلا دولة في العالم، يعيشون في منطقة جبلية واسعة تمتد عبر حدود هذه الدول.
ويتحدث الأكراد لغة خاصة بهم لكنها قريبة إلى اللغات الإيرانية، بينما ينتمي معظمهم إلى الإسلام السني، مع وجود أقليات دينية أخرى بينهم.
الأكراد في سوريا
يمثل الأكراد نحو عشرة في المئة من سكان سوريا، ويتركزون أساساً في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من البلاد.
وخلال عقود حكم حزب البعث، واجه الأكراد قيوداً سياسية وثقافية، حيث حُرم آلاف منهم من الجنسية السورية، كما مُنع استخدام اللغة الكردية في المؤسسات التعليمية لفترات طويلة.
لكن مع اندلاع الحرب السورية عام 2011، استغلت القوى الكردية حالة الفراغ الأمني لتأسيس إدارة ذاتية في مناطق شمال البلاد، تقودها تنظيمات سياسية وعسكرية أبرزها:
حزب الاتحاد الديمقراطي
وحدات حماية الشعب
وتطورت هذه الإدارة لاحقاً ضمن إطار قوات سوريا الديمقراطية التي دخلت في تحالف مع الولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم داعش.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد عام 2024 وصعود سلطة جديدة في دمشق، دخلت المناطق الكردية مرحلة جديدة من التفاوض حول شكل الحكم ومستقبل الإدارة الذاتية.
وقد أعلن الرئيس السوري الجديد إصدار مرسوم يعترف باللغة الكردية لغة وطنية إلى جانب العربية ويسمح بتدريسها في المدارس، في خطوة اعتبرها البعض محاولة لاحتواء المطالب الكردية داخل الدولة السورية الموحدة.
الأكراد في تركيا
يعيش في تركيا أكبر تجمع سكاني كردي في العالم، إذ يمثل الأكراد نحو عشرين في المئة من سكان البلاد، ويتركزون بشكل رئيسي في جنوب شرق تركيا.
وفي عام 1984 بدأ حزب العمال الكردستاني تمرداً مسلحاً ضد الدولة التركية بهدف إقامة دولة كردية مستقلة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى المطالبة بالحكم الذاتي وحقوق ثقافية وسياسية أوسع.
وقد أسفر الصراع بين الحزب والدولة التركية عن مقتل أكثر من أربعين ألف شخص خلال العقود الماضية.
ويقضي زعيم الحزب عبد الله أوجلان حكماً بالسجن منذ اعتقاله عام 1999.
وخلال العقدين الماضيين، أدخلت الحكومات التركية عدة إصلاحات سمحت باستخدام اللغة الكردية في الإعلام والتعليم، إلا أن الصراع المسلح ظل متقطعاً.
كما نفذت تركيا عمليات عسكرية متكررة في شمال العراق وشمال سوريا لاستهداف قواعد حزب العمال الكردستاني، خصوصاً في منطقة جبال قنديل.
الأكراد في العراق
يشكل الأكراد تقريباٍ 15 في المئة من سكان العراق، ويتمركزون في شمال البلاد ضمن إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي.
وشهدت العلاقة بين الأكراد والحكومة المركزية في بغداد مراحل متباينة، أبرزها حملة الأنفال في أواخر الثمانينيات خلال حكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، والتي تضمنت استخدام الأسلحة الكيميائية ضد مناطق كردية.
وبعد حرب الخليج عام 1991، أصبح شمال العراق تحت حماية دولية، ما سمح للأحزاب الكردية بإقامة إدارة ذاتية.
ومع سقوط نظام صدام حسين على يد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة عام 2003، اعترف الدستور العراقي الجديد بإقليم كردستان ككيان اتحادي يتمتع ببرلمان وحكومة محلية.
لكن الخلافات بين بغداد وأربيل استمرت حول قضايا عدة أبرزها:
تقاسم عائدات النفط
إدارة المناطق المتنازع عليها
صلاحيات الإقليم
وفي عام 2017 أجرى إقليم كردستان استفتاءً على الاستقلال، إلا أن نتائجه واجهت رفضاً شديداً من الحكومة العراقية ودول المنطقة، ما أدى إلى تراجع الإقليم عن المشروع.
الأكراد في إيران
يمثل الأكراد نحو عشرة في المئة من سكان إيران ويعيشون بشكل رئيسي في المحافظات الغربية المتاخمة للعراق وتركيا.
وتتهم منظمات حقوقية الحكومة الإيرانية بفرض قيود على النشاط السياسي والثقافي الكردي، بينما تنفي طهران وجود أي سياسات تمييزية ضدهم.
وتنشط عدة فصائل كردية إيرانية معارضة للنظام، ويقع معظمها خارج الأراضي الإيرانية في مناطق من إقليم كردستان العراق.
وقد شهدت المناطق الكردية في إيران توترات متكررة خلال موجات الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد، كان أبرزها احتجاجات عام 2022، ثم الاضطرابات الواسعة التي شهدتها البلاد أواخر عام 2025 وبداية عام 2026.
وخلال تلك الأحداث تحدثت تقارير عن محاولات لمقاتلين أكراد عبور الحدود من العراق إلى داخل إيران.
التطورات الأخيرة.. اتصال ترامب بالقادة الأكراد واحتمال توغل بري
في تطور لافت يعكس أهمية الورقة الكردية في الصراع الإقليمي، كشفت تقارير إعلامية غربية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أجرى اتصالات هاتفية مع عدد من القادة الأكراد في العراق، بينهم مسعود بارزاني وبافل طالباني، لبحث تطورات الحرب مع إيران والسيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة.
وبحسب تلك التقارير، تناولت الاتصالات إمكانية قيام فصائل كردية إيرانية متمركزة في شمال العراق بعمليات عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، في إطار الضغط على طهران في الجبهة الغربية.
كما تحدث ترامب أيضاً مع مصطفى هجري، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، في سياق بحث دور الجماعات الكردية المعارضة للنظام الإيراني في الصراع الدائر.
وتشير تقارير إلى أن بعض الفصائل الكردية الإيرانية، مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني وفصائل أخرى معارضة لطهران، قد حشدت مقاتلين قرب الحدود الإيرانية العراقية، وسط حديث عن احتمال تنفيذ عمليات عسكرية داخل إيران بالتزامن مع الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية.
غير أن القيادة السياسية في إقليم كردستان العراق أبدت تحفظاً واضحاً على الانخراط في أي هجوم بري واسع داخل إيران، خشية تعرض الإقليم لرد عسكري إيراني قد يهدد استقراره الأمني والسياسي.
البعد الجيوسياسي للقضية الكردية
القضية الكردية ليست مجرد مسألة حقوق ثقافية أو حكم ذاتي، بل تحولت إلى قضية جيوسياسية معقدة تتداخل فيها مصالح عدة قوى إقليمية ودولية.
فالأكراد ينتشرون في منطقة غنية بالموارد الطبيعية، وتشكل مناطقهم ممراً استراتيجياً بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
كما أن بعض القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، استخدمت التحالف مع القوات الكردية في عدة مراحل، خصوصاً في الحرب ضد تنظيم داعش.
لكن في المقابل، تخشى دول المنطقة من أن يؤدي أي مشروع لدولة كردية مستقلة إلى إعادة رسم الحدود القائمة منذ قرن.
خلاصة
على مدى أكثر من مئة عام، ظل الأكراد يسعون إلى تحقيق شكل من أشكال الحكم الذاتي أو الاستقلال، لكن تعقيدات الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط جعلت هذا الهدف بعيد المنال.
واليوم، ومع دخول الصراع الإقليمي مرحلة أكثر تعقيداً، تعود القضية الكردية إلى الواجهة مجدداً، ليس فقط كقضية قومية تاريخية، بل أيضاً كورقة استراتيجية في صراع القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة.








