وكالة حرية | الخميس 30 تشرين الاول 2025
في العراق، لا يُقصى السياسي عند خط النهاية، بل عند لحظة الانطلاق.
ومع إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات استبعاد مئات المرشحين، بينهم نواب حاليون شغلوا مقاعدهم لدورات متتالية، وجد العراقيون أنفسهم أمام سؤال أكبر من مجرد “من بقي ومن رُفض”:
هل نحن أمام ضبطٍ قانونيٍّ حقيقيٍّ للعملية الانتخابية، أم أمام فصل جديد من الصراع على من يُسمح له بدخول الحلبة السياسية أصلاً؟
بين القانون والسياسة
تقول المفوضية إن قراراتها تستند إلى معايير “حسن السيرة والسلوك” واستيفاء الشروط القانونية، لكنّ هذه المصطلحات تبدو حتى الآن أقرب إلى العناوين الفضفاضة منها إلى المفاهيم القانونية الدقيقة.
فـ “السيرة والسلوك” لم تُعرّف بوضوح في أي مادة قانونية، ما يجعلها أداة قابلة للتأويل والتوظيف، بل وربما للإقصاء الانتقائي في لحظة سياسية حرجة.
ويشير خبراء إلى أن المفوضية ليست وحدها من يقرر، إذ تتشارك معها جهات أخرى — قضائية وأمنية ورقابية — مثل هيئة المساءلة والعدالة ووزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني.
تعدد الجهات يعني تعدد الولاءات، وتعدد الولاءات يعني بالضرورة تسييس القرار، حتى وإن جاء ممهوراً بختم “القانون”.
الوجه الآخر للانضباط
من حيث المبدأ، من الطبيعي أن تُدقق المفوضية في ملفات المرشحين وتتحقق من نزاهتهم.
لكنّ توقيت هذه الحملة الواسعة للاستبعاد، وطبيعة الأسماء المشمولة بها — وبينهم نواب معروفون أو شخصيات ذات خطابات مدنية أو معارضة — يفتح الباب أمام تساؤلات حول إن كان “الانضباط القانوني” يخفي خلفه “انتقاءً سياسياً”.
فالإقصاء، وإن بدا قانونياً، يصبح في جوهره سياسياً حين يقيّد حقّ الناخب في الاختيار الحرّ.
والديمقراطية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، بل بعدد الأصوات التي سُمح لها بالوصول إلى تلك الصناديق.
المفوضية بين الشفافية والريبة
تكتفي المفوضية حتى اللحظة بعبارات عامة مثل “عدم استيفاء الشروط القانونية”، من دون تفصيل الأسباب.
هذا الصمت لا يُعزز الثقة، بل يُغذي الشكوك.
فالجمهور، الذي يعيش أصلاً حالة من اللامبالاة السياسية، يحتاج إلى وضوح وإقناع كي يصدق أن الانتخابات ليست لعبة مغلقة مسبقاً.
ولعلّ التجارب السابقة تُقدّم دروساً قاسية؛ فكل استبعاد انتقائي كان يفرز بدلاً منه بطلاً احتجاجياً جديداً.
النائب سجاد سالم مثال قريب: استُبعد، ثم أُعيد مرتين، فتحوّل إلى رمز للنزاهة بنظر كثيرين، فيما خسرت المفوضية جزءاً من مصداقيتها في كل مرة.
أزمة ثقة لا أزمة انتخابات
إن جوهر المشكلة لا يكمن في صناديق الاقتراع، بل في الطريق إليها.
فالعراق الذي يسعى إلى بناء ديمقراطية ناضجة، لا يمكنه تحقيق ذلك ما لم تتحقق الثقة بين الناخب والمؤسسة الانتخابية.
غياب هذه الثقة يجعل كل انتخابات، مهما كانت نزيهة تقنياً، مشكوكاً في شرعيتها سياسياً وشعبياً.
الاستبعاد الانتقائي لا يُعيد تشكيل قوائم المرشحين فقط، بل يُعيد أيضاً رسم حدود اللعبة السياسية نفسها.
فحين يُقصى بعضهم لأسباب غامضة، يُعاد إنتاج الخريطة القديمة بأدوات جديدة.
وحين يقتصر التنافس على المسموح لهم، يتحول الاقتراع إلى استفتاء صامت لا إلى اختيار حرّ.
ما بين السطرين
العراق لا يعاني أزمة قانون، بل أزمة في تفسير القانون.
ولا يعاني أزمة في إجراء الانتخابات، بل أزمة في الإيمان بأن نتائجها تعبّر فعلاً عن إرادة الناس.
فحين تتآكل الثقة، تذبل الديمقراطية مهما تعددت صناديقها.
في نهاية المطاف، ليس الخطر في التزوير داخل الصندوق، بل في تحديد من يُسمح له بالاقتراب منه.
وما لم تُعلن المفوضية معايير واضحة ومفصلة لقراراتها، فإنها ستخسر أهم ما تملكه: ثقة الناس — وهي رأس المال الوحيد لأي ديمقراطية حقيقية.







