حرية ـ (27/5/2025)
قال ألكسندر لانغلويس محلل مختص بشؤون السياسة الخارجية وباحث مساهم في مركز “ديفنس برايورتيز” البحثي الأمريكي، إن ترامب أقر في خطابه بالعاصمة السعودية بأن النهضة الحقيقية في المنطقة لم تأتِ من الخارج، بل انطلقت من داخلها، بقيادة شعوبها وحكوماتها.
وبحسب الكاتب فإن التحولات الكبرى التي شهدتها أبوظبي والرياض لم تكن من صُنع الغرب، بل من جهود محلية صُممت وبنت رؤاها السيادية بعيداً عن التدخلات الغربية التي غالباً ما خلّفت دماراً أكثر من البناء، بسبب جهلها بتعقيدات المجتمعات التي تدخلت فيها.
وأضاف الباحث في مقاله بموقع مجلة “ناشونال إنترست” “يبدو أن ترامب يتبنى وجهة نظر مفادها أنه من الأفضل ترك المنطقة تحلُّ مشاكلها بنفسها، وهو يعيد تشكيل سياسة واشنطن الخارجية في الشرق الأوسط على نحو جذريّ”.
وأضاف الكاتب “إذا التزم ترامب بهذا النهج غير التقليدي، الذي يدور في مدار سياسة خارجية متحفظة تدرك حدود القوة والمصلحة الأمريكية، فقد يساهم في تمكين قادة المنطقة من الانطلاق في مسار جديد قوامه البراغماتية والتنمية”.
استراتيجية الرياض
وتابع الباحث “جسّد أول خطاب خارجي رئيس لترامب في الرياض في 13 مايو (أيار) تحولاً في نهج السياسة الخارجية الأمريكية، ولم يضيع الرئيس وقتاً في انتقاد الإدارات الأمريكية السابقة وسياساتها الإقليمية”.
ولم يكن هذا التحوّل العظيم نتيجة لتدخل الغربيين الذين درجوا على إلقاء المحاضرات عن كيفية إدارة شؤون الحياة أو إدارة الشؤون الداخلية، فالمعجزات العظيمة في الرياض وأبوظبي لم تُنجَز على يد مَن يُعرَفون بـ”صنّاع الأمم” أو “المحافظين الجدد” أو “المنظمات الليبرالية غير الربحية” التي أنفقت تريليونات دون أن تنجح في تطوير كابول أو بغداد أو غيرهما من المدن، بل إن شعوب المنطقة هم الذين أطلقوا نهضة الشرق الأوسط عن طريق بناء دولهم ذات السيادة، وتحقيق رؤاهم الفريدة على أرض الواقع، وتحديد مصائرهم بأياديهم.
وأوضح الكاتب أن هذا الخطاب غير مسبوق في تاريخ الرؤساء الأمريكيين المعاصرين، ورغم أن محاولات سابقة لإعادة توجيه أولويات السياسة الخارجية الأمريكية ونهجها في المنطقة ليست بالظاهرة الجديدة، فهي لم تُطرَح بهذا القدر من القوة أو تُترجَم إلى أفعال بهذه الدرجة من الجدية.

عقيدة الخارجية الأمريكية
وبالغت واشنطن منذ زمن بعيد في تدخلاتها في شتى أنحاء العالم، فخاضت كل صراع في كل قارة، في محاولة للتأثير على كل شيء في كل مكان.
لكن هذا الإفراط لم يراعِ المصالح الأمريكية الحقيقية ولا القدرات اللازمة لتحقيقها، مما أسفر عن “حروب لا نهاية لها” في القرن الحادي والعشرين.
وفي غضون ذلك، تفاقمت المشكلات الداخلية، فيما ألحقت الأولويات الأمنية المتزايدة الضرر بالحريات المدنية في الداخل.
رفض التنسيق مع إسرائيل
ولو نظرنا إلى كل خطوة لإدارة ترامب، من الاتفاق مع الحوثيين إلى المفاوضات مع إيران، فإن العامل المشترك هو رفض ترامب الواضح للتنسيق مع إسرائيل.
وحاصر ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو حقاً في المكتب البيضاوي يوم 8 أبريل(نيسان) عندما أعلن عن أن إدارته ستدخل في محادثات مباشرة مع إيران.
كما اتبع ترامب النهج نفسه في عدة محادثات مباشرة مع حركة حماس، بما في ذلك واحدة أدت إلى إطلاق سراح المواطن الأمريكي-الإسرائيلي والجندي في جيش الدفاع الإسرائيلي عيدان ألكسندر في 11 مايو (أيار).
وقرار ترامب تخفيض رتبة مستشار الأمن القومي السابق مايك والتز، استناداً إلى ما تشير إليه بعض التقارير عن علاقة مفرطة القرب مع مسؤولين إسرائيليين، يؤكد حجم هذه التحركات، وربما يبين مدى استياء ترامب من الوضع الراهن.
استبعاد إسرائيل من القضايا الحيوية
وليس قرار استبعاد إسرائيل من القضايا التي تراها الولايات المتحدة حيوية في الشرق الأوسط بالأمر الهين، يضيف الكاتب.
ورغم ذلك، يواصل ترامب اتباع هذا المسار بعد مرور 4 أشهر فقط على بداية ولايته الرئاسية الثانية، ولأسباب وجيهة وواضحة، إذ تفاخر نتانياهو طويلاً بقدرته على التأثير على السياسة الأمريكية، محققاً انتصارات سياسية كبيرة تتحول في النهاية إلى خسائر لواشنطن. ومن أبرز الأمثلة على ذلك دعوته عام 2002 لغزو العراق.
وتابع الكاتب أن “سجل الولايات المتحدة في المنطقة مروع للغاية، إذ دعمت احتلال إسرائيل غير القانوني لفلسطين دون تمييز، حتى عندما انتقل النزاع من غزة بحيث هدَّدَ مصالح وجنود أمريكا في المنطقة، كما أطاحت أمريكا بحكومات في عدة دول، مما مهد لنشأة جماعات متطرفة مثل داعش، وقصفت المدنيين بأعداد لا حصر لها بحجّة إرساء “الديمقراطية”، بينما كانت تدعي دعم مبادئ حقوق الإنسان التي نادراً ما تحترمها”.
وختم قائلاً: “إن الاعتراف بالماضي وقبول هذا الواقع، يدل على انتصار النهج الذي ينصب تركيزه على ضبط النفس في التعامل مع المنطقة. وهذا يعني تقليص تدخلات الولايات المتحدة، وإعادة عبء المسؤولية عن الاستقرار في المنطقة إلى أهلها، حيث ينبغي أن يكون”.







