حرية | الخميس 19 آذار 2026 إعداد: قسم التحليل الاقتصادي – مركز حرية الاستشاري الاعلامي – التحليل الاستراتيجي
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتحوّل الطاقة إلى محور صراع جيوسياسي عالمي، يدخل الاقتصاد العراقي مرحلة حساسة تعكس تداخلاً معقداً بين الفرص المالية الكبيرة والمخاطر الهيكلية العميقة. فالعراق، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على صادرات النفط، يجد نفسه اليوم في قلب أزمة مزدوجة: أسعار مرتفعة تعِد بإيرادات قياسية، مقابل تهديدات مباشرة لسلاسل الإمداد وقدرته على الوصول إلى الأسواق العالمية.
تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن العراق كان مرشحاً لتحقيق فائض مالي مهم خلال عام 2026 نتيجة ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، إلا أن التطورات الأمنية في المنطقة، خصوصاً التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز وتعطل بعض مسارات التصدير، أدت إلى تراجع فعلي في حجم الصادرات، ما انعكس بشكل مباشر على الإيرادات العامة.
ويؤكد خبراء في وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن “الأسواق النفطية لم تعد تحكمها معادلات العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت رهينة المخاطر الجيوسياسية”، وهو ما ينطبق بشكل مباشر على الحالة العراقية، حيث لا تكمن المشكلة في الإنتاج بقدر ما تكمن في استمرارية التصدير.
وفي هذا السياق، قال محللو شركة Rystad Energy إن “الدول المعتمدة على ممرات تصدير حساسة، مثل العراق، ستكون الأكثر عرضة للصدمات، حتى في ظل ارتفاع الأسعار”، مشيرين إلى أن المخاطر الحالية تتعلق بـ“أمن الإمدادات وليس حجمها”.
على مستوى الاقتصاد الكلي، لا يزال العراق يعاني من هشاشة بنيوية واضحة، إذ يشكل النفط أكثر من 90% من الإيرادات العامة ونحو 95% من إجمالي الصادرات، ما يجعل المالية العامة عرضة لتقلبات السوق بشكل مباشر. ومع تراجع الإنتاج في بعض الفترات نتيجة القيود اللوجستية والأمنية، انخفضت القدرة التصديرية من مستويات تقارب 4.2 مليون برميل يومياً إلى حدود أقل بكثير، ما أدى إلى تقليص الفائض المتوقع.
أما على صعيد المالية العامة، فتواجه الحكومة تحديات متزايدة في ظل تضخم الإنفاق، خصوصاً في باب الرواتب والدعم، مقابل ضعف واضح في الإيرادات غير النفطية. ويحذر خبراء في JP Morgan من أن “الاقتصادات الريعية قد تواجه ضغوطاً مزدوجة في حال ارتفاع الأسعار مع تراجع الكميات المصدرة”، وهو سيناريو ينطبق بدرجة كبيرة على العراق في المرحلة الحالية.
في القطاع النقدي، يحافظ البنك المركزي العراقي على استقرار نسبي في سعر الصرف، إلا أن الضغوط تتزايد مع ارتفاع الطلب على الدولار وتراجع تدفقات العملة الصعبة في حال استمرار اضطراب الصادرات. وتشير تقديرات خبراء إلى أن هذا الاستقرار قد يصبح هشاً إذا استمرت الأزمة لفترة أطول، خاصة في ظل القيود المفروضة على التحويلات المالية.
وفي ما يتعلق بالاستثمار، يبقى المناخ الاستثماري في العراق مرتبطاً بشكل مباشر بمستوى الاستقرار الأمني والسياسي. ورغم وجود فرص كبيرة في قطاع الطاقة وإعادة الإعمار، إلا أن التحديات المرتبطة بالبنية التحتية والبيروقراطية ما تزال تشكل عائقاً أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية.
من جهة أخرى، يواجه الميزان التجاري ضغوطاً متزايدة نتيجة الاعتماد الكبير على الاستيراد، حيث يؤدي أي تراجع في الإيرادات النفطية أو اضطراب في سعر الصرف إلى تأثير مباشر على القدرة الاستيرادية وارتفاع الأسعار داخلياً. ويؤكد خبراء في معهد البترول الأمريكي (API) أن “ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً لا يؤثر فقط على المنتجين، بل يمتد ليزيد كلفة النقل والاستيراد، ما يضغط على الاقتصادات المستوردة”.
استراتيجياً، تكشف الأزمة الحالية عن مفارقة عميقة في الاقتصاد العراقي: فبينما توفر أسعار النفط المرتفعة فرصة تاريخية لتعزيز الإيرادات، فإن الاعتماد المفرط على هذا المورد يجعل البلاد عرضة لصدمات خارجية لا يمكن التحكم بها. ويشير خبراء إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدارة الأزمة الحالية، بل في استثمار هذه المرحلة لإطلاق إصلاحات اقتصادية حقيقية تركز على تنويع مصادر الدخل.
وفي قراءة مستقبلية، تتراوح السيناريوهات بين استقرار نسبي في حال استمرار التصدير وتحقيق فائض مالي، وبين سيناريو أكثر خطورة يتمثل في تعطل الصادرات جزئياً، ما قد يؤدي إلى عجز مالي واضطرابات اقتصادية. وبين هذين المسارين، يبقى العامل الحاسم هو تطورات المشهد الإقليمي وقدرة العراق على تحييد نفسه عن تداعيات الصراع.
النقاط البارزة
اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط بأكثر من 90% من الإيرادات
تراجع الصادرات رغم ارتفاع أسعار النفط
المخاطر الأساسية مرتبطة بمضيق هرمز وسلاسل الإمداد
ضغوط متزايدة على الموازنة العامة والقطاع النقدي
بيئة استثمارية مرتبطة بالاستقرار الأمني والسياسي
ارتفاع كلفة الاستيراد وتأثيره على الأسعار المحلية
فرصة استراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد وتنويعه
يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق اقتصادي حاسم، حيث يمكن أن تتحول أزمة الطاقة العالمية إلى فرصة لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر استدامة، أو إلى عامل ضغط إضافي يعمّق هشاشة الاقتصاد الريعي. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى القرار الاقتصادي والسياسي هو العامل الأهم في تحديد مسار المرحلة المقبلة، بين الاستفادة من الفرصة أو الوقوع في دائرة الأزمات المتكررة.








