وكالة حرية | الخميس 23 تشرين الاول 2025
الدكتور صفاء مهدي الوائلي
لا يخفى على ذي بصيرة أن ميدان السياسة من أعقد الميادين وأخطرها، فهو أشبه ببحْرٍ هائجٍ تتقاذفه الأمواج، لا يصل إلى شاطئ السلامة فيه إلا من كان مزوَّدًا بأسطولٍ من المعرفة والحكمة والرؤية الثاقبة. وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها العراق، بمكوناته المتنوعة وتحدياته المتشابكة، يبرز الذكاء السياسي ليس مجرد ميزةٍ أو كمالية، بل ضرورة وجودية لكل من يقتحم هذا المعترك أو يمتهن هذه الحرفة.
فما هو الذكاء السياسي؟ إنه ليس مجرد فطنةٍ أو دهاء، بل هو مفهومٌ أعمق وأشمل. هو ذلك المزيج المعقد من القدرات التي تمكن صاحبها من قراءة المشهد السياسي بكل أبعاده، وفهم توازنات القوى، واستشراف المستقبل، وإدراك الخفايا والأسرار، مع الحكمة في التصرف واتخاذ القرار في الوقت المناسب. هو القدرة على تحليل المعلومات المتضاربة، وفك شفرة المواقف الملتبسة، والتكيف مع المستجدات بمرونة، وإدارة العلاقات بشكل يحقق المصالح العليا.
وإذا أردنا تفصيل هذه المقومات في سياق العراق، فإننا نجد أن الذكاء السياسي يعني أولاً وقبل كل شيء:
- الفهم العميق للنسيج الاجتماعي العراقي: فالمجتمع العراقي نسيجٌ معقد من القوميات والأديان والمذاهب والثقافات والتوجهات. لا يمكن لصانع القرار أن ينجح إذا كان يفتقر إلى الفهم الدقيق لطبيعة هذا النسيج، وتاريخه، وحساسياته، وتطلعات كل مكون من مكوناته. الذكاء السياسي هنا يعني احترام هذا التنوع وتحويله من مصدر للصراع إلى رافد للإثراء والقوة الوطنية.
- إدراك التعقيدات الإقليمية والدولية: فموقع العراق الجيوسياسي جعله محط أنظار القوى الإقليمية والدولية على مر التاريخ. السياسي الذكي هو من يدرك هذه اللعبة الدولية المعقدة، ويستطيع التعامل مع مختلف الأطراف دون انجراف أو تبعية، محافظًا على سيادة البلاد واستقلال قرارها، مستفيدًا من هذه العلاقات في دعم الاستقرار والتنمية.
- القدرة على إدارة الأزمات: العراق بلدُ الأزمات المتلاحقة، أمنيةً واقتصاديةً واجتماعية. الذكاء السياسي يتجلى في القدرة على امتصاص الصدمات، وتهدئة النفوس المتوترة، وإيجاد الحلول الوسطى التي تطفئ نار الفتنة قبل أن تستعر. هو القدرة على تحمل المسؤولية في أحلك الظروف واتخاذ القرارات الصعبة التي تحفظ كيان الدولة.
- فن التواصل والتفاوض: العمل السياسي في جوهره هو اتصال وتفاوض. الذكاء السياسي يمنح صاحبه مهارة الإقناع، والقدرة على بناء التحالفات، وفهم لغة المصالح المشتركة. في بيئة مثل العراق، حيث تتصارع الأجندات، يصبح التفاوض من أجل تحقيق التوافق الوطني هو السبيل الوحيد لاستمرارية الدولة.
- الرؤية الاستراتيجية والبصيرة: كثيرون هم من ينشغلون بتدبير أمور اللحظة، وقليلون من يفكرون في بناء المستقبل. السياسي الذكي هو الذي لا يقع أسيرًا للتفاصيل اليومية والصراعات الآنية، بل يضع نصب عينيه مشروعًا وطنيًا شاملًا، ويسعى لتحقيقه بخطى ثابتة، حتى لو لم يجنِ ثماره في المدى القريب.
وعلى النقيض من ذلك، فإن العواقب الوخيمة المترتبة على غياب الذكاء السياسي بين ظهرانينا تبدو جلية للعيان. فالقرارات الارتجالية، والخطابات الاستفزازية، والانغلاق في دوائر ضيقة، والولاءات التي تتجاوز الوطن، وعدم القدرة على قراءة التحذيرات – كلها أعراض لفساد في العملية السياسية، تقود إلى مزيد من التدهور الأمني، والانهيار الاقتصادي، وتفكك النسيج الاجتماعي، وفقدان الثقة بين الشعب وحكامه.
لقد رأينا كيف أن بعض القرارات، التي اتخذت بدوافع طائفية أو حزبية ضيقة، كلفت البلاد والعباد غاليًا. ورأينا كيف أن الخطاب المتشدد قد يلهب المشاعر للحظة، لكنه يحرق جسور التعايش لعقود قادمة. كل هذا كان من الممكن تجنبه لو توفرت القيادات السياسية على الحد الأدنى من هذا الذكاء.
ختامًا، إن امتلاك الذكاء السياسي في العراق اليوم ليس ترفًا فكريًا، بل هو مسألة حياة أو موت للكيان السياسي العراقي برمته. إنه السلاح الذي يجب أن تتسلح به النخب الحاكمة لمواجهة أعاصير الخارج وتحديات الداخل. وهو الذي يمكنها من تحويل العراق من ساحة لصراع الآخرين إلى فاعلٍ رئيسي في المنطقة. وهو الدرع الذي يحمي مكتسبات الشعب من التهديدات التي تتعرض لها يوميًا.
لذلك، فإن مسؤولية تنمية هذا الذكاء تقع على عاتق المؤسسات التربوية والتعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، ومراكز الفكر والرأي، بل وعلى عاتق كل فرد يمارس العمل السياسي بأن يطور من أدواته، ويوسع من مداركه، ويقرأ ويتعلم من تجارب الآخرين. فمستقبل العراق، بأبنائه وأرضه ومقدساته، هو رهين بوجود قياداتٍ سياسيةٍ ليست فقط ذات نزاهة وإرادة صلبة، بل هي أيضًا وهذا لا يقل أهمية على درجة عالية من الذكاء السياسي، تستطيع به أن تقود سفينة الوطن إلى بر الأمان في بحرٍ هادرٍ لا يرحم.







