الضمانات السيادية في العراق بين الطموح القانوني والمخاطر المالية
حرية | الخميس 19 شباط 2026
وجه رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، الخميس 19 شباط 2026، بتفعيل مبادرة الضمانات السيادية، مؤكداً استعداد الحكومة للدخول بكامل ثقلها لدعم وتطوير القطاع الخاص ونقل الإمكانات الصناعية العالمية إلى داخل العراق وشهد الاجتماع حضور وزيرة المالية، ورئيس المصرف العراقي للتجارة، وأعضاء هيئة المستشارين لبحث تطوير آلية الضمانات السيادية وتفعيلها.
وتهدف المبادرة إلى دعم القطاع الخاص من خلال منح ضمانات حكومية (سيادية) لتسهيل حصوله على التمويل من بنوك عالمية أو مؤسسات تمويلية، بحيث تتحمل الدولة سداد هذا الدين في حال تعثر المشروع.
وأكد السوداني أن المبادرة تمثل فرصة لتحقيق تنمية اقتصادية حقيقية، وزيادة الإنتاج المحلي، ورفع مساهمة الاقتصاد غير النفطي، وخلق فرص عمل للقطاع الخاص.
ما هي الضمانات السيادية؟
الضمانات السيادية هي تعهد من الحكومة أمام المقرضين لضمان سداد قرض أو التزام مالي في حال تعثر المقترض (شركات القطاع الخاص) بمعنى آخر، إذا لم يتمكن المستثمر من السداد، فإن الدولة هي من تسدد نيابة عنه.
سلبيات وتحديات الضمانات السيادية في العراق و زيادة المخاطر المالية على موازنة الدولة لان الضمانات السيادية تضيف التزامات مالية إضافية على الدولة، خصوصاً إذا تعثرت المشاريع.
العراق يعاني من عجز مالي مستدام في الميزانية، يعكس ضعف السيادة المالية وقدرة الدولة على تمويل التزاماتها دون الضغط على الإيرادات وأي فشل في سداد المشاريع الممولة بهذه الضمانات قد يتحول إلى عبء ديوني جديد يزيد من عجز الميزانية ويزيد أسعار الفوائد في الاقتراض.
الفساد وسوء الإدارة يخفضان فعالية المبادرة
بيئة الاستثمار في العراق تشهد فساداً مستشرياً وضعف رقابة مؤسساتية، ما يعني احتمالية إساءة استغلال الضمانات السيادية من قبل جهات غير كفوءة أو مترابطة سياسياً.
بحسب محللين، قد يؤدي ذلك إلى تحميل الدولة أعباء تضاعفية في حال تعثر المشاريع أو استخدام الضمانات لمصالح ضيقة.
احتمال توجيه الضمانات إلى شركات ليست منتجة فعلياً و كثير من الشركات العراقية الصغيرة والمتوسطة تفتقر إلى الإدارة الرشيدة والقدرة الإنتاجية الحقيقية، مما يزيد احتمالات تعثر المشاريع الممولة، هذا يعنى أن الضمانات قد تُعطى لجهات غير مستحقة، بدلاً من دعم مشاريع قوية وذات مردود اقتصادي حقيقي.
الاعتماد على التمويل الخارجي… مخاطرة فرط الاقتراض
تستخدم الضمانات السيادية لجذب التمويل من بنوك وشركات دولية، لكن هذا قد يجعل العراق مُعرضًا لمخاطر سياسية واقتصادية خارجية إذا تم ربط الدفع بشروط غير مواتية لاحقاً و مثل هذه الترتيبات يمكن أن تحوّل بعض المشاريع إلى ديون مزمنة إذا لم تكن مبنية على دراسات جدوى قوية.
تجارب دولية واقعية لفشل الضمانات السيادية أو تبعاتها
تجربة Infrastructure Leasing & Financial Services – IL&FS في الهند في عام 2009، الحكومة الهندية منحت ضمانات سيادية لـشركة خاصة كبيرة (IL&FS) لاقتراض أموال من مؤسسات دولية مثل البنك الآسيوي للتنمية (ADB) ومؤسسة التمويل الألمانية KfW.
الشركة تعثرت في السداد، مما اضطر الحكومة الهندية لاحقاً لـ دفع مبالغ ضخمة نيابة عنها بسبب الضمانات التي منحتها مسبقاً، مما أثار أزمة مالية في القطاع المالي الهندي هذا المثال يوضح كيف يمكن للضمانات السيادية أن تتحول إلى التزام مالي ثقيل على أموال الدولة، إذا لم تكن هناك رقابة وإدارة سليمة للجهات المستفيدة.
في أيسلندا – مثال آخر على مخاطر الضمانات المالية الحكومية
حين انهارت بنوك أيسلندا الخاصة في الأزمة المالية العالمية (2008)، طالبت بريطانيا وهولندا الحكومة الأيسلندية بضمانات مالية لتغطية ودائع مواطنيهما الذين فقدوا أموالهم لدى بنك محلي.
الحكومة رفضت المرَّتين في استفتاءات شعبية أن تتحمل هذه الضمانات السيادية، مما أثار نزاعات دولية طويلة وألحق أضراراً واسعة باقتصاد أيسلندا.
استنتاجات وتوصيات
الضمانات السيادية في العراق قد تشكّل أداة تمويل قوية إذا ما استخدمت بحكمة، ولكنها تُمثّل مخاطرة كبيرة في ظل أزمة مالية متفاقمة وبيئة فساد وضعف مؤسساتي.
عدم ربط الضمانات بشروط صارمة، وإدارة مشاريع قوية فقط قد يلقي بالعبء على خزينة الدولة دون تحسين حقيقي في النمو الاقتصادي.
توصيات لضمان نجاح المبادرة
إطار قانوني صارم يُحدّد شروطاً واضحة لتأهيل المشاريع المؤهلة للضمانات وتأمين آليات رقابية شفافة.
نظام تقييم مستقل وجدي قبل الموافقة على أي ضمانة سيادية (دراسات جدوى اقتصادية صارمة).
حوكمة قوية تضمن عدم استغلال الضمانات لأهداف غير تنموية.
تعزيز القدرات الإدارية للقطاع الخاص قبل منحه ضمانات حكومية، لضمان نجاح المشاريع.
لكن كل ما ذكر مرتبط بالإطار القانوني وصلاحيات حكومة تصريف الأعمال
وفقاً للخبراء القانونيين، فإن حكومة تصريف الأعمال في العراق تقتصر صلاحياتها على تسيير الأعمال اليومية الضرورية، ولا تشمل القرارات الاستراتيجية أو التزامات مالية طويلة الأجل.
وأوضحت المحكمة الاتحادية العليا أن واجبات حكومة تصريف الأعمال تشمل:
إدارة النفقات التشغيلية الروتينية.
صرف الرواتب والمستحقات الحكومية.
الحفاظ على استمرارية الخدمات العامة.
أما أي توقيع اتفاقيات دولية، منح ضمانات سيادية أو اقتراض طويل الأمد فيتطلب حكومة كاملة الصلاحيات أو تصديق البرلمان.
إمكانية الإلغاء أو الطعن بالقرار
نظرًا لأن القرار يتجاوز صلاحيات حكومة تصريف الأعمال:
يمكن أن تطعن المحكمة الاتحادية العليا أو القضاء الإداري في شرعية القرار لاحقاً.
الحكومة الجديدة أو البرلمان لديهم الحق في إلغاء أو تعديل أي التزامات ناتجة عن القرار.
بينما تمثل مبادرة الضمانات السيادية فرصة لتعزيز القطاع الخاص والصناعة الوطنية، فإن الإطار القانوني الحالي لحكومة تصريف الأعمال يقيّد قدرتها على اتخاذ مثل هذه القرارات الاستراتيجية وفي ظل الأزمة المالية وارتفاع مستويات الفساد، فإن تنفيذ المبادرة بدون ضوابط صارمة ورقابة مؤسساتية قد يؤدي إلى مخاطر مالية كبيرة وإمكانية إلغاء القرار لاحقاً.







