وكالة حرية | الاربعاء 25 حزيران 2025
ليلى بكر
في ظل الأزمات التي تشهدها منطقة الدول العربية، حيث ارتفعت الاحتياجات الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، يتكشف اتجاه مُقلق وهو الوقف المُمنهج لتمويل الخدمات المُنقذة للحياة للنساء والفتيات. من الصومال إلى السودان، ومن سوريا إلى اليمن، وغيرها، وتُعجّل هذه التخفيضات الحادة في التمويل – ولا سيما التوقف المفاجئ للدعم المالي الأمريكي – بما لا يُمكن وصفه إلا بـ الكارثة الصامتة. لا يتعلق الأمر بإحصائيات مجردة فحسب؛ بل يتعلق بأرواح تُحطم ومستقبل يُسرق مع تفكيك خدمات الصحة الإنجابية الأساسية وخدمات العنف القائم على النوع الاجتماعي تحديدًا في الوقت والمكان الأكثر حاجةً إليها.
تخيلوا جود، التي دفعها النزاع إلى مخيم للنازحين في الهول، شمال شرق سوريا. لم تتخيل يومًا إنجاب المزيد من الأطفال، في ظل انعدام الخدمات الصحية تقريبًا، وشعورها بمخاطر الحمل. ومع ذلك، منحها افتتاح عيادة أمومة يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان الثقة اللازمة لاحتضان الأمومة مجددًا. والآن، تخشى أن ينقطع هذا السند. وكما تقول بحزن: “بدونه، ستواجه النساء الحوامل أثمن لحظاتهن وأكثرها خطورة بمفردهن – دون رعاية، دون أمان، ودون أمل”. تُبرز قصة جود واقعًا قاتمًا: إن قرار وقف تمويل خدمات الصحة الإنجابية والحماية ليس مجرد تعديل مالي، بل هو حرمان عميق من أبسط الدعم المنقذ للحياة الذي تحتاجه النساء والفتيات بشدة ويستحققنه.
وحتى قبل التخفيضات الأخيرة، كانت الخدمات الصحية في البلدان المتضررة من الأزمات في المنطقة محفوفة بالمخاطر بشكل مثير للقلق. ففي سوريا، لا يزال أقل من نصف المرافق الصحية يعمل بعد 14 عامًا من الحرب الأهلية. وفي السودان، كان تمويل برامج مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي أقل من 20% من الاحتياجات المالية في عام 2024، حيث ارتفع عدد الأشخاص المعرضين للخطر إلى أكثر من 12 مليونًا. ومع ذلك، كانت المنظمات والخدمات التي تقودها النساء للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي من بين الأكثر تضررًا وأسرعها تضررًا من تخفيضات المساعدات هذا العام.
الواقع قاسٍ: فقد أدى النقص الحاد في التمويل إلى حرمان ملايين الفئات الأكثر ضعفًا من الخدمات الأساسية. في لبنان، أُجبر ما يقرب من نصف المساحات الآمنة للنساء والفتيات التي يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان على إغلاق أبوابها. وهذه المساحات الآمنة توفر الأمان والمشورة والعلاج الطبي والإحالات القانونية، وهي أمور بالغة الأهمية للناجيات من العنف. وفي الصومال، توقفت برامج التوعية المتنقلة التي كانت تقدم خدمات متكاملة في مجال الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي لما يقدر بنحو 250 ألف امرأة توقفًا تامًا. وفي جميع أنحاء اليمن، لم يعد بإمكان 1.5 مليون امرأة وفتاة الوصول إلى الخدمات المنقذة للحياة. هذه ليست أرقامًا مجردة؛ إنها تمثل ملاذات آمنة ورعاية طبية حيوية وشريان حياة للأفراد الذين يواجهون صعوبات لا يمكن تصورها.
إن تخفيضات تمويل المساعدات الإنسانية ليست مجرد قرارات تتعلق بالميزانية؛ إنها، وبصورة قاطعة، خيارات حياة أو موت. عندما تتلاشى الخدمات المصممة لحماية صحة المرأة وسلامتها وكرامتها، ما الرسالة التي نرسلها نحن، المجتمع الدولي؟ أن معاناتهن غير مرئية، وأن حياتهن ببساطة لا قيمة لها. هذا أمر غير مقبول بتاتًا. إن إغلاق الخدمات، والتخفيضات الجذرية في أعداد الموظفين، وتعليق البرامج الأساسية، مثل رعاية التوليد الطارئة والرعاية الطبية لضحايا العنف، يمثل فشلًا أخلاقيًا عميقًا سيُعرّض حياة النساء والفتيات للخطر. لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي بينما يتآكل التقدم الهش المحرز في النهوض بحقوق النساء والفتيات ورفاهيتهن بشكل وحشي.
إن مساهمات المانحين العاجلة والمستدامة ليست مجرد أمر مرغوب فيه؛ بل هي ضرورة ملحة وفورية لمنع كارثة إنسانية أعمق لا يمكن إصلاحها في هذه البلدان الهشة أصلًا. إن حياة وكرامة ومستقبل الملايين تعتمد على عملنا الجماعي. إن إدارتنا للأمر الآن هو ارتكاب ظلم لا رجعة فيه.







