بغداد – السبت 21 شباط 2026 – خاص – أعداد القسم السياسي والقسم التحليلي
أدوار تركيا والأردن وسوريا والسعودية وإيران في العراق
يتحوّل العراق تدريجياً إلى “ساحة توازنات” بين مشاريع إقليمية متنافسة:
تركيا تمزج الأمن (PKK) بالمياه وبمشروع الممرات (طريق التنمية) لتثبيت نفوذ طويل الأمد.
إيران تحتفظ بنفوذ متعدد الطبقات: طاقة (غاز/كهرباء)، عمق سياسي-أمني، وشبكات تأثير داخلية؛ لكن هذا النفوذ يواجه ضغطاً أمريكياً متزايداً عبر ملف الدولار والعقوبات والطاقة.
السعودية تتحرك عبر الاقتصاد والاستثمار والحدود وربط العراق بالمنظومة العربية والخليجية (استثمار/طاقة/تجارة) مع توسّع منافسة “الممرات” رقمياً واقتصادياً في المنطقة.
الأردن يمثّل بوابة لوجستية وخيار طاقة/ربط كهربائي وتجارة، يهدف لتقليل هشاشة العراق الطاقوية وتثبيت محور اقتصادي أكثر هدوءاً.
سوريا (في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق وتحوّل السلطة) تُعاد صياغة علاقتها مع بغداد عبر ملف الحدود والتجارة والعبور، لكن ظلال الأمن (داعش/المخيمات/المعابر) تبقى عامل ضغط دائم.
العراق أمام خيارين—إما إدارة التوازنات بعقل دولة (تنويع الشراكات + ضبط الداخل)، أو الانزلاق إلى هشاشة قرار تجعل كل ملف خارجي يتحول إلى تعطيل داخلي.
تركيا: أمن الحدود + المياه + “طريق التنمية
أ. ما الذي تريده أنقرة من العراق؟
أمنياً: تثبيت تعاون ضد حزب العمال الكردستاني PKK وتوسيع هامش العمل الأمني/الحدودي.
مائياً: إدارة ملف دجلة/الفرات بما يقلل الضغط السياسي على أنقرة ويمنحها ورقة تفاوض استراتيجية؛ وقد شهدت العلاقة توقيع/تفعيل آليات تعاون مائي في 2025 وفق تغطيات متعددة.
اقتصادياً ولوجستياً: جعل العراق ممراً رئيسياً نحو الخليج، وتعزيز التكامل عبر “طريق التنمية” الواصل من الفاو إلى الحدود التركية ثم أوروبا.
أدوات النفوذ التركية
التجارة والاستيراد (رافعة اجتماعية-سوقية واسعة داخل العراق).
العمق الحدودي (تفاهمات أمنية، حضور استخباري/ميداني على تماس الشمال).
المياه كورقة استراتيجية تتجاوز الموسم إلى “قدرة دولة” على التحكم بالموارد.
الممرات: ربط طريق التنمية بخطوط سكة/طرق تركية نحو المتوسط وأوروبا.
التأثير على العراق: فرص ومخاطر
الفرص: طريق التنمية + جذب استثمارات + تشغيل + ربط لوجستي.
المخاطر: توترات سيادة في الشمال، ومقايضة المياه بالأمن، وتحويل الشراكة إلى علاقة “إلزام سياسي”.
إيران: نفوذ متعدد الطبقات تحت ضغط العقوبات والملف الأمريكي
أ. ما الذي تريده طهران؟
عمق استراتيجي يمنع تشكيل بيئة عراقية معادية ويضمن مسارات نفوذ سياسية-أمنية.
اقتصاد وطاقة: استمرار تصدير الغاز/الكهرباء أو المحافظة على أثره السياسي داخل السوق العراقية، حتى مع تعقّد مسارات الدفع بسبب العقوبات.
إدارة توازن واشنطن–بغداد: إبقاء العراق ضمن هامش لا يسمح بتحوله إلى منصة ضغط أميركية فعّالة.
ب. أدوات النفوذ الإيرانية
الطاقة: تاريخياً، الكهرباء/الغاز عنصر ربط حرج؛ والقيود الأميركية على الإعفاءات/المدفوعات تجعل هذا الملف نقطة ابتزاز متبادل (واشنطن تضغط، وطهران تحاول الحفاظ على الأثر).
القوة السياسية غير المتجانسة: علاقات مع قوى وأحزاب وفواعل مسلحة.
الاقتصاد الموازي/التجارة الحدودية.
ج. عامل جديد: ضغط “الدولار”
أحد أخطر مؤشرات المرحلة هو انتقال الضغط الأميركي من مستوى البيانات إلى مستوى أدوات مالية تمسّ “شريان السوق”، عبر التهديد بتقييد تدفق الدولار للعراق وربط ذلك بملف الفصائل.
د. التأثير على العراق: فرص ومخاطر
الفرص: تهدئة عبر قنوات إيرانية في بعض الملفات، وتوازن إقليمي إذا أُحسن استخدامه.
المخاطر: ربط سيادة القرار بملفات عابرة للحدود، وإدامة هشاشة الطاقة، وتحويل العراق إلى ساحة رسائل عند أي تصعيد أميركي–إيراني.
السعودية: عودة اقتصادية تدريجية وربط عربي-خليجي
أ. ما الذي تريده الرياض؟
توسيع الاستثمار والتجارة داخل العراق وبناء شراكات تحمي المصالح المتبادلة.
تقليل نفوذ الخصوم عبر الاقتصاد: منافسة النفوذ لا بالمواجهة، بل بالحضور الاستثماري وتمكين القطاع الخاص.
إعادة دمج العراق في محيطه العربي من بوابة المصالح الملموسة.
ب. أدوات النفوذ السعودية
الحدود والمعابر: معبر عرعر/جديدة عرعر كقناة تجارة وإمداد.
أطر اتفاقية لحماية وتشجيع الاستثمار (مؤشر مهم لتهيئة بيئة رأس المال).
الطاقة والربط الخليجي: اتجاه العراق لتوقيع اتفاقات/ترتيبات للحصول على كهرباء من دول الخليج بعد اكتمال الربط.
ج. بُعد إقليمي إضافي: تنافس “الممرات” الرقمية والاقتصادية
المنطقة تشهد سباقاً على أن تكون “ممر بيانات” و”ممر تجارة”. تقرير رويترز عن مشروع كابل بيانات يربط الإمارات بتركيا عبر العراق، وإشارة إلى مشاريع أخرى مدعومة سعودياً في الإقليم، يكشف أن المنافسة لم تعد نفطاً فقط بل بنية تحتية رقمية أيضاً.
د. التأثير على العراق: فرص ومخاطر
الفرص: استثمارات + فرص عمل + تخفيف حساسية الطاقة عبر بدائل عربية/خليجية.
المخاطر: بطء التنفيذ إذا لم تُحلّ إشكالات بيئة الاستثمار، واحتمال تسييس الاستثمار ضمن تنافس المحاور.
الأردن: شريك هادئ في الطاقة واللوجستيات والتجارة
أ. ما الذي يريده الأردن؟
أمن طاقة عبر نفط/تجارة مع العراق، وتطوير مشاريع ربط.
تثبيت محور لوجستي يربط العراق بالموانئ والأسواق.
تعميق الربط الكهربائي كرافعة تعاون طويل الأمد.
ب. أدوات النفوذ الأردنية
الربط الكهربائي: تقارير عن مراحل تشغيل/توسعة للربط وتوقعات زيادة الأحمال المنقولة إلى 150–200 ميغاواط مع دخول مراحل جديدة.
المنفذ التجاري والخدمات اللوجستية: الأردن بوابة مرنة للتجارة والنقل.
ج. التأثير على العراق
الفرص: بديل/مساندة في ملف الطاقة، وتخفيف الضغط على الشبكة، وممر تجاري أكثر استقراراً.
المخاطر: محدودية السعات على المدى القصير، وحساسية أي تصعيد إقليمي على طرق النقل.
5) سوريا: حدود ومعابر وأمن ما بعد التحول السياسي
أ. ما الذي تغيّر؟
بعد التحولات السياسية في سوريا، عاد ملف إعادة فتح المعابر وتوسيع التجارة والعبور إلى الواجهة، مع تصريحات/تقارير عن رؤية لربط ممرات نقل عبر البوكمال–القائم.
ب. ما الذي تريده دمشق من بغداد؟
تطبيع اقتصادي: معابر، تجارة، ترانزيت.
تنسيق أمني: ملف داعش، والسجون/المخيمات، والحدود الشرقية.
ج. عامل الضغط الأكبر: داعش والمخيمات
أخبار حديثة تُظهر حساسية ملف المخيمات/المحتجزين، وتباين الروايات حول “تفريغ” أو “انهيار أمني” في محيط مخيم الهول وتداعياته واحتمالات تسرب عناصر—وهو ملف ينعكس مباشرة على الأمن العراقي لأن جزءاً من عمليات النقل/الإعادة/الملاحقة يرتبط بالعراق.
د. التأثير على العراق
الفرص: فتح منافذ تجارة، تخفيض كلف النقل لبعض المسارات، وتحويل الحدود من عبء إلى مورد.
المخاطر: هشاشة أمنية عابرة للحدود إذا لم تُبنَ منظومة ضبط مشتركة فعّالة.
نقاط التقاطع الخمس بين أدوار الدول الخمس داخل العراق
الطاقة والكهرباء: من الاعتماد الإيراني إلى بدائل خليجية/أردنية—هذا ليس ملف خدمات فقط بل ملف سيادة.
الممرات: طريق التنمية (تركيا/شركاء خليجيون) + سباق الممرات الرقمية (كابلات/ألياف).
الحدود والأمن: PKK في الشمال، داعش في الغرب، والمعابر السورية—كلها تحدد شكل الدولة.
المال والدولار: قدرة الولايات المتحدة على التأثير المالي تضغط على بيئة النفوذ الإيراني وعلى قرارات بغداد.
الاستثمار: السعودية والخليج يطرحان خياراً اقتصادياً عربياً بشرط بيئة استثمار آمنة وعقود قابلة للتنفيذ.
توصيات “حرية” لصانع القرار العراقي
استراتيجية تنويع طاقة خلال 18–24 شهراً: تقليل الاعتماد الأحادي على مصدر واحد، وتوسيع الربط (خليجي/أردني) مع خطط غاز داخلية.
تثبيت ملف المياه مع تركيا كملف “أمن قومي” بمؤشرات قياس وتبادل بيانات واتفاقات تشغيلية، لا خطابات موسمية.
تحصين طريق التنمية أمنياً وتشريعياً: حماية المستثمر، منع الابتزاز، وضمان حوكمة التنفيذ لأن المشروع سيحدد وزن العراق اللوجستي لعقد قادم.
سياسة حدود موحدة: دمج المعابر مع سوريا ضمن إطار أمني-جمركي شفاف يمنع التهريب ويحوّل الحدود إلى مورد لا ثغرة.
مبدأ “المصالح لا الاصطفاف”: التعامل مع إيران وتركيا والسعودية والأردن وسوريا بمنطق ملفات، وليس بمنطق محاور—مع خطاب سيادي واحد يمنع التشتت.
سيناريوهان مرجحان للمرحلة القادمة
سيناريو التوازن الذكي: العراق ينجح في تحويل تنافس الإقليم إلى فرص (طريق التنمية + بدائل طاقة + استثمار سعودي) مع ضبط السلاح والمعابر.
سيناريو الدولة المؤجلة أي تصعيد أمريكي–إيراني يعيد شلّ القرار، ويُفشل الاستثمار، وتعود المعابر والحدود إلى نقاط هشاشة، ويبقى الاقتصاد رهينة الطاقة والدولار.







