حرية | السبت 14 آذار 2026
المشهد في العراق اليوم يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر، والشارع العراقي يقف أمام سؤال كبير ومباشر أين تقف الدولة في خريطة الصراع الدائر في المنطقة؟
العراق يرتبط بعلاقات رسمية مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا ضمن إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، وهي علاقات سياسية وأمنية وعسكرية جاءت عبر اتفاقيات رسمية بين الحكومات العراقية وتلك الدول وفي الوقت نفسه يحتفظ العراق بعلاقات وثيقة مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وهي علاقات تمتد عبر الحدود والجغرافيا والتجارة والسياسة والتاريخ من حيث المبدأ لا مشكلة في تعدد العلاقات الدولية، فالدول عادة تحاول تحقيق توازن بين مصالحها مع مختلف القوى لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه العلاقات إلى خطوط تماس عسكرية على الأرض العراقية ففي الأيام الأخيرة شهد العراق ضربات جوية نفذتها قوات التحالف الدولي استهدفت مواقع لقطعات من الحشد الشعبي والحشد الشعبي، وفق القانون العراقي، مؤسسة أمنية رسمية ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة لكن في المقابل تنظر الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية إلى بعض فصائل الحشد باعتبارها قوى مرتبطة بمحور إقليمي تقوده إيران.
هذا التباين في التعريف خلق معادلة شديدة الحساسية مؤسسة رسمية في نظر الدولة العراقية، وفصيل مرتبط بمحور إقليمي في نظر أطراف دولية وفي الجهة الأخرى من المشهد، تصاعدت عمليات استهداف المصالح الاقتصادية والشركات الأمريكية داخل العراق كما صدرت بيانات من بعض فصائل المقاومة تتحدث عن طلب تحديد أماكن وجود الأمريكيين مع مكافأة وهنا يقف المواطن العراقي أمام مشهد مرتبك يسأل فيه سؤالاً بسيطاً لكنه خطير هل هذه المعركة معركة العراق فعلاً؟
العراق الذي خرج قبل سنوات قليلة من حرب قاسية ضد تنظيم داعش، ويحاول اليوم إعادة بناء اقتصاده واستعادة الاستقرار، يجد نفسه فجأة في قلب صراع إقليمي ودولي كبير كل ضربة جوية وكل صاروخ يسقط على أرض العراق لا يبقى أثره في السياسة فقط، بل يصل مباشرة إلى حياة الناس فالخسائر لا تقاس بعدد الضحايا فقط، بل تقاس أيضاً بتوقف الطيران المدني وتعطل حركة التجارة وتراجع السياحة وارتفاع كلفة التأمين على الشركات الأجنبية كما تؤدي هذه التطورات إلى تراجع ثقة المستثمرين بالاقتصاد العراقي، وهو أمر ينعكس مباشرة على فرص العمل وعلى حركة الاقتصاد وعندما تتراجع إيرادات الدولة أو تتعرض قطاعات حيوية مثل النفط والنقل والتجارة للاهتزاز، فإن أول من يدفع الثمن ليس السياسي ولا القائد العسكري بل المواطن العراقي الذي ينتظر راتبه وفرصة عمله وحياة مستقرة لأسرته.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً من يتحمل المسؤولية؟
هل تتحملها الولايات المتحدة عندما تنفذ ضربات عسكرية داخل الأراضي العراقية بحجة الدفاع عن قواتها؟
أم تتحملها الفصائل المسلحة عندما تختار الرد العسكري داخل العراق؟
أم تتحملها الدولة العراقية التي لم تنجح حتى الآن في رسم خط سيادي واضح يحدد من يملك قرار الحرب ومن يملك قرار السلم؟
الحقيقة المؤلمة أن العراق يعيش اليوم في منطقة رمادية بين السيادة المعلنة والسيادة الفعلية فالدولة تقول إنها ترفض تحويل العراق إلى ساحة صراع، لكن الوقائع تشير إلى أن هذا التحول يحدث بالفعل وإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد هو أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية ففي مثل هذه الحالات لا يربح أحد داخل البلد، بل تتحول الأرض إلى مسرح للصراعات، والشعب إلى ضحية تدفع ثمن صراعات الآخرين، العراق لا يحتاج حرباً جديدة، ولا يحتاج جولة أخرى من الصراعات التي أنهكت شعبه لعقود طويلة ما يحتاجه العراق اليوم هو وضوح سياسي حقيقي يحدد موقع الدولة ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار فسيادة الدول لا تقاس بالبيانات والخطابات، بل بقدرتها على حماية أرضها وقرارها ومصالح شعبها.
وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن كل صاروخ يسقط على أرض العراق مهما كان مطلقه يسقط أولاً على قلب المواطن العراقي.






