وكالة حرية – 10 شباط 2026
لم يعد حضور العراق في اجتماعات التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش حضوراً بروتوكولياً أو تابعاً، بل بات يعكس تحولاً استراتيجياً في موقعه الأمني، وهو ما تجلّى بوضوح في اجتماع الرياض الأخير، حيث حظي الوفد العراقي بتقدير دولي واسع وصل حدّ التصفيق العلني، في إشارة سياسية تتجاوز المجاملة الدبلوماسية.
هذا المشهد يعبّر عن إدراك متزايد لدى التحالف بأن العراق لم يعد مجرد ساحة عمليات ضد التنظيم، بل فاعل أمني محوري يمتلك خبرة ميدانية وقضائية واستخبارية متراكمة، قادرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي.
نقل معتقلي داعش: خطوة وقائية أم اختبار سيادة؟
قرار بغداد نقل عدد من معتقلي داعش إلى مراكز احتجاز داخل العراق يمثل إجراءً أمنياً استباقياً عالي الحساسية، فرضته مخاوف من انهيار أو اختراق منظومات الاحتجاز خارج الحدود. غير أن هذا القرار، رغم ضرورته الأمنية، يفتح باباً على اختبار معقّد للسيادة الوطنية، خصوصاً مع إصرار العراق على رفض تحوله إلى مستودع دائم للإرهابيين الأجانب.
وهنا يوجّه العراق رسالة مزدوجة:
- استعداده لتحمّل المسؤولية الأمنية المؤقتة.
- ورفضه تحمّل عبء دولي دائم نيابة عن دول تتهرّب من استعادة رعاياها.
القضاء كأداة ردع
تأكيد قيادة العمليات المشتركة أن المحاكم العراقية باشرت التحقيق مع عناصر التنظيم يشير إلى انتقال العراق من مرحلة المعالجة الأمنية إلى تثبيت مقاربة قانونية ردعية، وهو عنصر أساسي في أي استراتيجية طويلة الأمد لمكافحة الإرهاب.
هذه المقاربة تعزز من شرعية الإجراءات العراقية، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية التعاون القضائي بدل الاكتفاء بالدعم العسكري.
الملف الإنساني… ثغرة أمنية صامتة
إعادة طرح ملف المختطفين الإيزيديين وبقية المكونات يعكس فهماً عراقياً بأن القضايا الإنسانية غير المحسومة تشكل قنابل أمنية مؤجلة، إذ إن بقاء هذا الملف مفتوحاً يوفّر بيئة خصبة للتطرف وإعادة إنتاج الأزمات الاجتماعية.
العراق وسوريا: أمن مترابط
ترحيب بغداد باتفاق وقف إطلاق النار في سوريا، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية، يعكس قناعة عراقية بأن أمنه الداخلي مرتبط عضوياً بالاستقرار السوري، وأن أي فراغ أمني هناك سينعكس مباشرة على الحدود العراقية.
بغداد… مركز تنسيق لا هامش قرار
اقتراح العراق استضافة الاجتماع المقبل للتحالف الدولي يحمل دلالات استراتيجية، أبرزها رغبة بغداد في الانتقال من موقع التنسيق الثانوي إلى مركز صناعة القرار الأمني، مستندة إلى تجربتها الميدانية وثقلها الجغرافي.
خلاصة استراتيجية
يعمل العراق اليوم على ترسيخ معادلة جديدة في الحرب على الإرهاب:
- تحمّل مسؤولية دون التفريط بالسيادة
- شراكة دولية دون ازدواجية
- أمن مستدام قائم على القانون لا على الحلول المؤقتة
غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى مرهوناً بمدى التزام المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته كاملة، لأن أي تقاعس أو انتقائية سيحوّل العراق مجدداً إلى خط تماس أول في حرب لم تُغلق ملفاتها بعد.







