حرية | الاثنين 23 شباط 2026
بغداد – رغد زيد – وكالة حرية الإخبارية
لم تعد أزمة بغداد تُختزل في زحام يومي أو شارع يغرق مع أول مطر بعد أكثر من عشرين عاماً على التغيير السياسي، تتكشف صورة أعمق العاصمة تُدار بمنظومة متداخلة الصلاحيات، ومخطط أساس جرى تجاوزه عملياً في أجزاء واسعة، ومعايير بناء تفككت تحت ضغط الاستثناءات، فيما تتراكم أرقام سكانية ومركبات تفوق الطاقة التصميمية لمدينة بُنيت لواقع مختلف.
هذا التحقيق لا يبحث عن عنوان صاخب، بل يطرح سؤالاً مؤسسياً من يدير بغداد فعلياً، وبأي معايير؟
أولاً: تضارب الصلاحيات… حين تتعدد الجهات ويضيع القرار
تتوزع إدارة بغداد بين أمانة بغداد، ومحافظة بغداد، ومجلس المحافظة، وهيئة الاستثمار، ووزارات التخطيط والإعمار والموارد المائية والكهرباء، فضلاً عن قرارات مجلس الوزراء هذا التعدد يفترض تكاملاً، لكنه غالباً ما يُنتج فراغاً تنفيذياً ومساءلة ضبابية.
في مدينة يُقدَّر سكانها اليوم بين 8 إلى 9 ملايين نسمة، لا توجد غرفة قيادة حضرية موحدة تملك سلطة التخطيط والتنفيذ والمحاسبة ضمن إطار واحد. النتيجة: قرارات مجزأة، تنفيذ متقطع، ومشاريع لا ترتبط برؤية شاملة تُراكم أثراً مستداماً.
ثانياً: المخطط الأساس… وثيقة لم تعد تحكم الواقع

المخطط الأساس لأي مدينة يحدد الكثافة السكانية، ونسب البناء، والمساحات الخضراء، وشبكات الطرق، وقدرة البنية التحتية. في بغداد، صُممت أجزاء كبيرة من الشبكات والخدمات لمدينة كان عدد سكانها في مراحل تخطيطها الأولى بين 3 و4 ملايين نسمة.
اليوم تضاعف العدد تقريباً، بينما لم تُحدَّث الشبكات جذرياً بما يتناسب مع هذا النموالتوسع العمراني تمّ أفقياً وعمودياً، مع تعديلات واستثناءات متكررة على المخطط، ما أضعف فلسفة التخطيط الأصلية القائمة على التوازن بين الكثافة والفراغ.
وفي هذا السياق، كشف محمد الربيعي مدير العلاقات والإعلام في أمانة بغداد، في تصريح خاص “لوكالة حرية”، أن التخطيط العمراني أو الأساس الشامل لبغداد تم تحديثه لغاية عام 2030، وتمت المصادقة عليه عام 2024 من قبل مجلس الوزراء، مشيراً إلى أن الرؤية المقبلة تتجه لتوسعة الأفق التخطيطي نحو مرحلة تمتد حتى 2060 عبر “الخروج من ضغط العاصمة إلى حويصلات ومدن جديدة خارج الحدود التصميمية” ضمن مسار قانوني وإداري ينتظر اكتمال تشريعاته، من بينها “قانون العاصمة” وتحديثات ترتبط بتوسعة نطاق محافظة بغداد.
الربيعي أكد أن بغداد “ما زالت قابلة للعيش” لكنها تحتاج إلى إعادة تصميم شامل للبنية التحتية الحضرية عبر تحديث المخطط واستعمالات الأراضي والأنظمة، مع اعتماد مفهوم التنمية الشاملة الذي تُحدثه المدن كل عشر أو عشرين أو خمسين سنة، بحسب طبيعة نموها السكاني والتكنولوجي.
ثالثاً: الاستثمار والخرائط… كيف تُمنح الموافقات؟ ومن يتحمل تبعاتها؟
أحد المفاصل الأكثر حساسية في أزمة بغداد يتمثل في العلاقة بين الاستثمار والتخطيط الحضري. فمعظم الاعتراضات الشعبية لا تتعلق بالاستثمار بوصفه مبدأ، بل بكونه يتحول أحياناً إلى ضغط إضافي على طرق ومجاري وكهرباء مدينة مشبعة أصلاً.
وفي رد تفصيلي على هذا الجانب، أوضح الربيعي أن الرأي الاستثماري، بعد منحه للمستثمر سواء كانت الأرض تابعة لأمانة بغداد أو للقطاع الخاص أو للدولة، يُحال إلى الرأي التخطيطي داخل دائرة التصاميم في أمانة بغداد. وأضاف أن دائرة التصاميم تضم قسماً متخصصاً هو قسم الطرق، ولا تُمنح الموافقة التخطيطية إلا بعد تدقيق شرط الحركة المرورية، واعتماد “أفضل وسائل الدراسة المرورية”، مشيراً إلى أن المستثمر يُلزم بتقديم دراسة مرورية متكاملة قبل الحصول على الكتاب النهائي للمصادقة على المخطط والموافقة التخطيطية، بعد مصادقتها من قسم الطرق في الأمانة.
هذا المسار – وفق الأمانة – يهدف إلى ضبط منح الموافقات وربطها بقدرة شبكة الطرق، لكنه يفتح سؤالاً مؤسسياً آخر: هل تضمن الدراسات المرورية وحدها قدرة البنى التحتية الأخرى على الاستيعاب، خصوصاً في مناطق تعاني أصلاً من اختناقات ومحدودية شبكات مجاري وكهرباء؟
رابعاً: تقسيم الأراضي وخرائط البناء… تفكك المعايير
من أخطر التحولات خلال السنوات الأخيرة تآكل معايير تقسيم الأراضي والبناء. الضوابط التخطيطية السابقة في العديد من مناطق بغداد كانت تشترط مساحة تقارب 200 متر مربع كحد أدنى للقطعة السكنية وبواجهة لا تقل عن 10 أمتار في كثير من التصنيفات، لضمان التهوية والارتدادات والمرائب والفراغات الخضراء.
لكن الواقع تغيّر في مناطق عديدة عبر:
تقسيم قطع إلى نصفين أو أكثر
إلغاء الارتدادات
تغطية كامل مساحة الأرض بالبناء
تحويل الحدائق إلى غرف إضافية
بناء وحدات صغيرة بكثافة عالية
كل قطعة تُقسم لا تعني منزلاً إضافياً فحسب، بل تعني زيادة استهلاك المياه والكهرباء والصرف الصحي وعدد المركبات، وهو ما يتراكم ليصنع أزمة مدينة كاملة.
خامساً: العشوائيات والتجاوزات… واقع حال يغير شكل بغداد
من النقاط التي تُعد مفتاحاً لفهم الأزمة، ما كشفه الربيعي حول حجم “الواقع غير المخطط”. إذ أشار إلى أن التجاوزات والعشوائيات أصبحت واقع حال في بغداد، سواء كانت على أراضٍ زراعية تم التجاوز عليها أو مناطق توسعت خارج الضوابط، مؤكداً أن هذا الواقع يؤثر على شكل المدينة ويثقل بنيتها التحتية.
ووفق تقديره، فإن بغداد تضم ما بين 425 إلى 450 محلة رسمية، مع وجود نسبة كبيرة من مناطق العشوائيات أو التجاوزات “من ثلث وقد تقترب من النصف” بين محلات أو مناطق شهدت تجاوزاً أو تنتظر التنظيم ضمن الخطط المقبلة، مؤكداً أن سكان هذه المناطق باتوا جزءاً من مدينة واحدة يجب إدارتها بمنطق واقعي لا شعاراتي.
سادساً: أزمة المرائب والنقل… الشارع كموقف دائم
تقديرات تشير إلى أن بغداد تضم ما بين 2 إلى 3 ملايين مركبة ضمن إجمالي يتجاوز 7 ملايين مركبة مسجلة في العراق. في المقابل، كثير من الأبنية السكنية والتجارية لا تحتوي على مرائب كافية، وبعضها لا يلتزم بمعايير احتساب عدد المواقف نسبة لمساحة البناء.
النتيجة:
الشوارع تتحول إلى مواقف
الأرصفة تُحتل
الطاقة الاستيعابية للطرق تتراجع
الاختناقات تتفاقم
وحتى مع مشاريع جسور وأنفاق، تبقى الحلقة المفقودة هي النقل العام، إذ لا تمتلك بغداد منظومة مترو أو ترام أو شبكة حافلات تغطي نسبة معتبرة من حركة التنقل اليومية، فيما تشير معايير دولية إلى أن تخفيف الزحام يتطلب نقل عام يغطي 40–60% من الحركة.
سابعاً: المجاري والمساحات الخضراء… بنية قديمة ومدينة أقل من الحد الأدنى
أجزاء كبيرة من شبكات الصرف الصحي تعود إلى سبعينات وثمانينات القرن الماضي، أي بعمر يتجاوز 40 عاماً، ومع تضاعف السكان والتوسع العمراني غير المخطط أصبحت هذه الشبكات تعمل فوق طاقتها التصميمية.
بيئياً، المعيار الدولي الأدنى للمساحات الخضراء هو 9 أمتار مربعة للفرد، فيما تشير تقديرات مختصين إلى أن بغداد أقل من ذلك في مناطق واسعة نتيجة إزالة أراضٍ زراعية وتحويل مساحات إلى مشاريع سكنية وتجارية، ما أدى إلى ارتفاع الحرارة وتراجع جودة الهواء وزيادة التلوث.
الخلاصة:
بغداد ليست مدينة فشلت في مشروع أو اثنين، بل مدينة خرجت تدريجياً من إطار المخطط إلى إدارة الاستثناءات، ثم اصطدمت بواقع نمو سكاني وضغط مروري وتجاوزات عمرانية باتت تفرض نفسها كأمر واقع.
ومع تأكيد أمانة بغداد أن المخطط الأساس تم تحديثه والمصادقة عليه عام 2024، وأن الرؤية المقبلة تتجه نحو أفق 2060 عبر مدن جديدة وتوسعة حضرية، يبقى السؤال المؤسسي: هل تتحول هذه الرؤية إلى تنفيذ فعلي يخفف الضغط عن العاصمة، أم تبقى خطة على الورق أمام واقع حضري يتوسع أسرع من قدرة الدولة على التنظيم؟
إعادة بغداد إلى مسارها لا تبدأ بجسر جديد، بل بـ:
تحديث شامل للمخطط الأساس وتفعيله
توحيد مرجعية القرار الحضري
تطبيق صارم لمعايير التقسيم والبناء
فرض متطلبات المرائب والمساحات الخضراء
إطلاق مشروع نقل عام حقيقي
رقابة مالية وهندسية مستقلة
المدينة التي تُدار بالاستثناءات تنتهي بالفوضى.
والسؤال لم يعد: لماذا تغرق بغداد؟
بل: متى تعود إلى المخطط؟







