وكالة حرية | الاربعاء 11 شباط 2026
جاءت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشأن رفض بلاده «الاستسلام للمطالب المفرطة» في الملف النووي، لتؤكد استمرار الخط الأحمر الإيراني التقليدي في مواجهة الضغوط الغربية، مع محاولة محسوبة للفصل بين جوهر البرنامج النووي وبين آليات الرقابة الدولية.
فإعلان الاستعداد «لكل عمليات التحقق» من الطابع السلمي للبرنامج النووي يعكس سعي طهران إلى الحفاظ على مسار تفاوضي مفتوح من دون تقديم تنازلات جوهرية تمسّ ما تعتبره سيادتها العلمية والاستراتيجية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأميركية والإسرائيلية لإدراج ملفات إضافية، كالصواريخ والنفوذ الإقليمي، على طاولة التفاوض.
خطاب خارجي متماسك… وتصدّع داخلي
في المقابل، حملت تصريحات بزشكيان المتعلقة بالاحتجاجات الأخيرة بُعداً داخلياً بالغ الحساسية. فالاعتذار العلني «لجميع المتضررين» من الاحتجاجات والقمع الذي تلاها يُعدّ سابقة نسبية في الخطاب الرئاسي الإيراني، وإن جاء من دون اعتراف مباشر بمسؤولية الأجهزة الأمنية عن سقوط آلاف القتلى.
هذا الاعتذار، بصيغته الحذرة، يبدو محاولة لـ:
- احتواء الغضب الشعبي المتصاعد
- تخفيف الضغط الداخلي عن مؤسسة الرئاسة
- إعادة توجيه المسؤولية نحو «ظروف» و«أحداث» لا نحو قرارات أمنية
وفي الوقت نفسه، لم يتخلّ الرئيس الإيراني عن خطاب المواجهة مع الخارج، عبر انتقاد «الدعاية الغربية»، في محاولة لإعادة تأطير الاحتجاجات ضمن سردية التدخل الخارجي، وهي مقاربة لطالما استخدمتها طهران في أزمات داخلية سابقة.
معادلة السلطة الصعبة
تكشف تصريحات بزشكيان عن معادلة دقيقة تحاول القيادة الإيرانية إدارتها:
- في الخارج: تشدد سيادي في الملف النووي، مع مرونة تقنية في آليات التفتيش لتفادي العزلة أو المواجهة العسكرية.
- في الداخل: خطاب تصالحي محدود، لا يصل إلى حد المساءلة، ولا يغيّر من طبيعة المقاربة الأمنية للدولة.
لكن هذه المعادلة تبدو هشة، في ظل واقع اجتماعي متوتر، وذاكرة دامية للاحتجاجات الأخيرة، وضغوط اقتصادية خانقة تفاقمها العقوبات الدولية.
خلاصة تحليلية
تعكس تصريحات الرئيس الإيراني محاولة إدارة أزمة متعددة المستويات: تفاوض نووي محفوف بالتصعيد، واحتقان داخلي غير مسبوق، وصراع سرديات مع الغرب. وبينما تسعى طهران إلى الظهور بمظهر الدولة القادرة على ضبط الداخل ورفض الإملاءات الخارجية، فإن اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي وتجربة الشارع يضع هذه المقاربة أمام اختبار صعب.
في النهاية، قد تنجح إيران في الصمود أمام «المطالب المفرطة» دولياً، لكنها تواجه تحدياً أعمق في الداخل: استعادة الثقة المجتمعية، وهي معركة لا تقل تعقيداً عن أي مفاوضات نووية.







