وكالة حرية | الاحد 24 آب 2025
المخضرم بان: “لا أستطيع أن أقول شيئاً جيداً عن الشيوعيين”
في قاعة احتفالية وسط العاصمة التايوانية تايبيه، جلس بان تشنغ فا، المحارب المخضرم البالغ من العمر 99 عاماً، وهو يستعيد بذاكرة حادة تفاصيل معارك دارت قبل ثمانية عقود ضد الغزو الياباني. بان، الذي قاتل تحت راية حكومة تشيانغ كاي شيك الجمهورية، قال في حديثه:
“لقد أعطيناهم أسلحة ومعدات وعززناهم”، في إشارة إلى الدعم الذي قدمته حكومته للقوات الشيوعية أثناء التحالف المؤقت بين الطرفين خلال الحرب. لكن تلك الذاكرة، كما يروي بان، تختلط بمرارة ما أعقبها من حرب أهلية قاسية انتهت بانتصار الشيوعيين وهروب حكومته إلى تايوان.
احتفالات متباينة.. وعرض عسكري يثير الجدل
بينما تستعد بكين لعرض عسكري ضخم الشهر المقبل لإحياء الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، تعيش تايبيه أجواء أكثر تواضعاً، يطغى عليها خطاب سياسي حاد يرفض ما تسميه “تشويهاً للتاريخ”.
وزارة الدفاع التايوانية أقامت حفلاً موسيقياً، تخللته عروض تمثيلية لجنود بزي القوات الجمهورية وصور لطائرات “النمور الطائرة” التي قادها متطوعون أمريكيون، فيما جاء في برنامج الحفل عبارة لافتة:
“التاريخ يؤكد أن حرب المقاومة قادتها وانتصرت فيها جمهورية الصين.”
صراع السرديات: من قاد المقاومة فعلاً؟
تقول تايوان إن قواتها الجمهورية كانت العمود الفقري في القتال ضد اليابان، وأنها وقعت على اتفاقية السلام كإحدى الدول الحليفة بعد استسلام اليابان عام 1945. أما الحزب الشيوعي الصيني، الذي أسس جمهورية الصين الشعبية بعد أربع سنوات من نهاية الحرب، فيؤكد أنه كان القوة المحركة للمقاومة.
كبير صانعي السياسة في تايوان، تشيو تشوي تشنغ، صرح في 15 أغسطس/آب:
“خلال حرب المقاومة التي خاضتها جمهورية الصين ضد اليابان، لم تكن جمهورية الصين الشعبية موجودة حتى، لكن النظام الشيوعي الصيني شوّه الحقائق مراراً وتكراراً بادعائه قيادة المقاومة.”
وأضاف مجلس شؤون البر الرئيسي في تايوان أن استراتيجية الحزب الشيوعي آنذاك كانت قائمة على “تعزيز نفسه بنسبة 70%، والتعامل مع الحكومة الجمهورية 20%، ومواجهة اليابان 10%”، وهو اتهام قديم يرفضه الحزب.
في المقابل، نشرت صحيفة الشعب الصينية، الناطقة بلسان الحزب الشيوعي، تعليقاً حذرت فيه من “تشويه دور الحزب باعتباره العمود الفقري للبلاد في محاربة اليابان”.
الذاكرة التاريخية كورقة سياسية
وراء السجال التاريخي يكمن صراع أعمق حول الشرعية والهوية. فالصين تؤكد أن نهاية الحرب عام 1945 أعادت تايوان إلى “الحكم الصيني”، فيما ترفض تايبيه ذلك، مشيرة إلى أن أي اتفاق سلام لم يشر إلى جمهورية الصين الشعبية التي تأسست لاحقاً.
الرئيس التايواني لاي تشينغ تي استغل المناسبة لتوجيه رسالة سياسية واضحة، قائلاً في منشور على فيسبوك:
“العدوان سوف يُهزم”، في تلميح إلى التهديدات العسكرية الصينية المتصاعدة ضد الجزيرة.
بين الماضي والحاضر: حرب الذاكرة مستمرة
الاحتفال التايواني اقتصر على فعاليات رمزية وحفل موسيقي شاركت فيه فرقة هيب هوب محلية، بينما حذرت الحكومة مواطنيها من حضور العرض العسكري في بكين، معتبرة أنه يهدف إلى “تعزيز مطالبات الصين الإقليمية وتكريس روايتها التاريخية”.
أما بان، المحارب الذي ترك عائلته وراءه أثناء هروبه إلى تايوان بعد الحرب الأهلية، فيختصر المشهد بكلمات حادة:
“لا أستطيع أن أقول أي شيء جيد عن الشيوعيين.”
الصراع على الذاكرة ليس مجرد جدل تاريخي بين بكين وتايبيه، بل هو امتداد لمواجهة سياسية وعسكرية مستمرة. وبينما تحاول الصين تكريس نفسها كصاحبة الدور الأبرز في الانتصار على اليابان، تتمسك تايوان بسرديتها بوصفها الوريث الشرعي لجمهورية الصين، لتظل الحرب التي انتهت قبل ثمانية عقود وقوداً لصراع الحاضر.







