حرية | الخميس 12 آذار 2026
تقلبات النفط: لماذا ارتفعت الأسعار عالمياً بينما تراجع خام البصرة؟
في تطور يعكس حالة الاضطراب التي تعيشها أسواق الطاقة العالمية، شهدت أسعار النفط خلال الساعات الأخيرة تبايناً ملحوظاً بين السوق العالمية والنفط العراقي. ففي الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار النفط في الأسواق الدولية مدفوعة بتصاعد التوترات الأمنية في الشرق الأوسط، سجّل خام البصرة بنوعيه الثقيل والمتوسط انخفاضاً نسبياً في تعاملات اليوم الخميس.
وسجل خام البصرة الثقيل نحو 90.89 دولاراً للبرميل بعد انخفاض قدره 1.7 دولار بما يعادل 1.16%، فيما تراجع خام البصرة المتوسط إلى 92.84 دولاراً للبرميل بانخفاض مماثل بلغ 1.7 دولار بنسبة 1.14%. وفي المقابل، ارتفعت أسعار النفط العالمية، إذ بلغ سعر خام برنت نحو 97.67 دولاراً للبرميل، بينما وصل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى حوالي 92.36 دولاراً للبرميل.
خلفية السوق: لماذا ترتفع الأسعار عالمياً؟
تشير المعطيات في أسواق الطاقة إلى أن الارتفاع العالمي في أسعار النفط جاء نتيجة عدة عوامل متزامنة، أبرزها التوترات الأمنية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وهي منطقة تمثل الشريان الأساسي لإمدادات الطاقة العالمية. فقد أدى تعرض ناقلتين أجنبيتين تحملان وقوداً عراقياً لهجوم في المياه الإقليمية العراقية إلى زيادة المخاوف من اضطراب حركة الإمدادات النفطية، الأمر الذي دفع الأسواق إلى رفع الأسعار تحسباً لأي نقص محتمل في المعروض.
كما تلعب الحرب الدائرة في المنطقة دوراً مهماً في خلق حالة من عدم اليقين في الأسواق. فعندما ترتفع احتمالات توسع الصراع أو تهديد طرق الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، تتفاعل الأسواق النفطية بسرعة مع تلك المخاطر، لأن ما يقارب ثلث تجارة النفط البحرية في العالم تمر عبر هذه المنطقة.
لماذا تراجع النفط العراقي رغم ارتفاع السوق؟
على الرغم من صعود الأسعار العالمية، فإن النفط العراقي يتأثر بعوامل مختلفة نسبياً. فأسعار خام البصرة غالباً ما تتحرك وفق ما يسمى في الأسواق النفطية بـ فارق السعر (Price Differential) مقارنةً بالمؤشرات العالمية مثل برنت أو خام دبي.
ومن بين الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تراجع أسعار خام البصرة اليوم:
أولاً، طبيعة الخام العراقي، إذ يعد خام البصرة الثقيل من الخامات ذات الكثافة العالية التي تحتاج إلى عمليات تكرير أكثر تعقيداً، مما يجعله يباع عادةً بخصم سعري مقارنةً بالخام الخفيف.
ثانياً، تكاليف النقل والتأمين، حيث تؤدي التوترات الأمنية في الخليج إلى رفع أقساط التأمين على الناقلات النفطية، وهو ما يدفع المشترين للمطالبة بخصومات أكبر عند شراء النفط من مناطق التوتر.
ثالثاً، العقود طويلة الأجل التي تعتمدها شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، حيث يتم تحديد الأسعار وفق معادلات مرتبطة بمتوسطات السوق الآسيوية والأوروبية، ما يجعل التفاعل مع الأسعار الفورية العالمية أبطأ نسبياً.
تأثيرات محتملة على الاقتصاد العراقي
يمثل النفط أكثر من 90% من إيرادات الدولة العراقية، ولذلك فإن أي تغير في الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على الموازنة العامة. وعلى الرغم من الانخفاض الطفيف في سعر خام البصرة اليوم، فإن بقاء الأسعار العالمية قرب مستوى 95 دولاراً للبرميل يعد مستوى مريحاً نسبياً للمالية العراقية، خصوصاً أن معظم الموازنات العراقية تُبنى عادة على سعر افتراضي يتراوح بين 65 و70 دولاراً للبرميل.
لكن في المقابل، فإن استمرار التوترات العسكرية في المنطقة قد يحمل مخاطر أخرى، مثل اضطراب عمليات التصدير أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهي عوامل قد تقلل من الفائدة التي يجنيها العراق من ارتفاع الأسعار العالمية.
سيناريو السوق في الأيام المقبلة
يتوقع محللون في أسواق الطاقة أن تبقى أسعار النفط شديدة التقلب خلال الفترة المقبلة، مع ارتباطها المباشر بتطورات المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. فإذا استمرت الهجمات على ناقلات النفط أو توسع نطاق الحرب، فقد تتجه الأسعار نحو 100 دولار للبرميل أو أكثر. أما في حال تراجع التوترات وعودة الاستقرار النسبي إلى طرق الملاحة البحرية، فقد تشهد الأسعار موجة تصحيح هابطة.
وبين هذين السيناريوهين، تبقى أسواق النفط العالمية أسيرة التوازن الدقيق بين العرض والطلب من جهة، والتطورات الأمنية والسياسية في المنطقة من جهة أخرى، وهو ما يجعل كل خبر أمني في الخليج أو الشرق الأوسط قادراً على تحريك أسعار الطاقة في العالم خلال ساعات قليلة.







