وكالة حرية | الاربعاء 29 تشرين الاول 2025
في خطوة وُصفت بأنها سابقة في الشرق الأوسط، تتحرك تركيا نحو اتفاق يقضي بإطلاق مليار متر مكعب من المياه إلى العراق، مقابل تصدير نصف مليون برميل من النفط يومياً إلى أنقرة، وفق ما كشفه موقع “الدبلوماسية الإيرانية” في تقرير.
ورغم أن الصفقة تبدو في ظاهرها اقتصادية بحتة، إلا أنها – بحسب التقرير – تعكس توظيف أنقرة للمياه كورقة ضغط جيوسياسية، في إطار ما تسميه بعض الأوساط السياسية بـ”الاستراتيجية الزرقاء”، التي لا تقتصر آثارها على العراق وحده، بل تمتد إلى إيران وسوريا أيضًا.
أنقرة وسلاح الماء
منذ ثمانينيات القرن الماضي، شرعت تركيا في تنفيذ مشروعها العملاق المعروف باسم “غاب” (مشروع جنوب شرق الأناضول)، الذي تضمن إنشاء عشرات السدود على نهري دجلة والفرات.
هذا المشروع منح أنقرة موقعًا مهيمنًا على منابع المياه المشتركة، وحوّلها إلى قوة مائية عابرة للحدود، تستخدم “صمام المياه” أداةً للتفاوض والتأثير السياسي.
ومع تفاقم التغير المناخي وشحّ الأمطار، تصاعد استخدام تركيا لهذا التفوق الطبيعي لتعيد عبره رسم موازين القوى في المنطقة. فإطلاق المياه لم يعد قرارًا فنياً أو هندسيًا، بل أصبح قرارًا سياديًا ذا أبعاد أمنية واقتصادية.
ويرى مراقبون أن إنشاء سدود جديدة مثل كاراكورت وتوزلوجا وسويِلمِز على أعالي نهر أرس يهدد الأمن المائي لمدن إيرانية عدة في أذربيجان الغربية وكرمانشاه وإيلام وحتى خوزستان.
إيران بين العطش والابتزاز
يقول تقرير “الدبلوماسية الإيرانية” إن تجفيف بحيرات كأرومية وهور العظيم لا يرتبط فقط بسوء الإدارة الداخلية، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات السدود التركية التي قلصت تدفق الأنهار نحو الأراضي الإيرانية.
ويؤكد خبراء في طهران أن أنقرة حوّلت الماء إلى سلعة قابلة للمقايضة مقابل النفط أو الامتيازات السياسية، وأن الاتفاق النفطي الأخير مع العراق يمثل نموذجاً صارخاً لهذا النهج.
وحذر دبلوماسيون إيرانيون سابقون من أن ما يسمونه بـ”إرهاب الماء” يشكل تهديداً للأمن القومي الإيراني، بعد أن تحولت أزمة العطش إلى ملف جيوسياسي تتداخل فيه السياسة والأمن والاقتصاد.
من نهر الهلمند إلى دجلة.. معادلة واحدة
وفي شرق إيران، تتكرر المعادلة نفسها مع أفغانستان، التي تبنت سياسات السدود على نهر هلمند، متجاهلة اتفاق 1973 الذي يضمن لإيران 820 مليون متر مكعب من المياه سنويًا.
وقال الرئيس الأفغاني الأسبق أشرف غني ذات مرة: “إذا أرادت إيران ماءً أكثر، فلتدفع نفطًا”، وهي المقولة التي أعادت حركة طالبان تطبيقها عملياً عبر افتتاح سد كمال خان والمضي في بناء عشرين سداً جديداً، ما أدى إلى جفاف بحيرة هامون ونزوح آلاف العائلات وانهيار الزراعة في سيستان وبلوشستان.
تحذيرات من “تطبيع المقايضة المائية”
السفير الإيراني الأسبق في البرازيل سيد علي سقائيان وصف التحرك التركي بأنه اختبار خطير لقبول المنطقة بمنطق المقايضة غير الأخلاقية، مضيفًا أن “السكوت عن سياسة النفط مقابل الماء سيفتح الباب أمام مزيد من الابتزاز الجيوسياسي”.
وقال سقائيان في تصريح لصحيفة شرق:
“تركيا نفسها تعاني من أزمة مياه داخلية حادة في أنقرة وإسطنبول، وسياسات السدود قد تنقلب ضدها بيئياً واجتماعياً. المياه ليست سلعة، بل حق سيادي تضمنه المواثيق الدولية”.
الخبير الكردي صلاح الدين خدیو: الماء عملة سياسية جديدة
من جانبه، يرى الخبير الكردي في الشؤون الإقليمية صلاح الدين خدیو أن تركيا وأفغانستان تتعاملان مع الماء كـ”عملة سياسية صلبة”، مشيرًا إلى أن أنقرة أدركت مبكرًا أن الماء سيحل محل النفط في ميزان القوى الإقليمي.
وأضاف أن “سياسات السدود التركية ساهمت في تفاقم الأزمات في سوريا والعراق، عبر مضاعفة الجفاف وتوليد موجات هجرة وفقر”، لافتًا إلى أن “طالبان تطبّق النهج نفسه ولكن بطريقة أكثر فوضوية”.
الشرق الأوسط على حافة العطش الكبير
مع اقتراب المنطقة من عقدها الأكثر جفافًا، يبدو أن المياه تحولت إلى عصب جديد للسلطة والنفوذ.
تركيا تستعرض قوتها عبر السدود، إيران تدافع عن حقوقها المائية، وأفغانستان تساوم على نهر هلمند، فيما يقف العراق بين الفقر المائي والتبعية الطاقوية.
ويختم سقائيان بالقول:
“الإنقاذ لن يأتي من معارك الماء، بل من دبلوماسية الماء، فإما أن تتعاون دول المنطقة لحماية أنهارها المشتركة، أو تواجه مستقبلاً من التصحر والصراعات”.







