وكالة حرية | الخميس 12 شباط 2026
إعلان الهيئة العامة للجمارك عن استجابة إقليم كردستان لتوحيد التعرفة الجمركية وتطبيق نظام “الأسيكودا” لا يمثل إجراءً إدارياً فحسب، بل يشكل تحولاً في مسار العلاقة المالية بين بغداد وأربيل، ويمس أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الاقتصاد العراقي: إدارة المنافذ والعملة الصعبة.
أولاً: توحيد التعرفة… إنهاء ازدواجية السوق
لسنوات، شكّل اختلاف التعرفة الجمركية بين المنافذ الاتحادية ومنافذ الإقليم ثغرة اقتصادية واضحة، سمحت بمرور سلع عبر الإقليم بتكاليف أقل، ثم انتقالها إلى باقي المحافظات، ما أوجد:
تفاوتاً في الأسعار داخل السوق العراقية.
خسائر مباشرة في إيرادات الخزينة الاتحادية.
بيئة مواتية للتهرب الجمركي.
استجابة الإقليم لتطبيق القرار 597 والتعليمات الاتحادية تعني – نظرياً – تقليص هذه الفجوة، ووضع حد لما كان يوصف بـ”المنفذ الموازي”.
ثانياً: الأسيكودا… البعد الرقابي ومكافحة غسل الأموال
الانتقال إلى نظام “الأسيكودا” الإلكتروني ليس مجرد تحديث تقني، بل خطوة رقابية عميقة، إذ يوفر:
توثيقاً فورياً للبيانات الجمركية.
ربطاً بين الاستيراد والهوية الضريبية.
تتبعاً للتحويلات المالية المرتبطة بالبضائع.
في السياق الأوسع، يرتبط ذلك بملف الدولار والتحويلات الخارجية، في ظل تشديد الرقابة الأميركية على النظام المصرفي العراقي.
كلما كانت العمليات الجمركية موثقة رقمياً، تقلصت مساحة التحويلات غير المسجلة، وهو ما يتقاطع مع متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
ثالثاً: الدولار والسياسة الجمركية
التركيز على السلع الأكثر استيراداً يعكس توجهاً نحو:
ترشيد الاستيراد.
تقليل استنزاف العملة الصعبة.
حماية الإنتاج المحلي.
العراق يواجه ضغطاً مستمراً على احتياطيات الدولار، وأي سياسة تقلل خروج العملة مقابل سلع رديئة أو غير ضرورية تُعد جزءاً من إدارة الاستقرار النقدي.
هنا، تصبح السياسة الجمركية أداة مالية ونقدية في آنٍ معاً.
رابعاً: تشجيع الصناعة… بين الحماية والإصلاح
الإشارة إلى المشاريع الصناعية المعفاة من الرسوم لعشر سنوات تعكس محاولة لخلق بيئة استثمارية مستقرة، خصوصاً في قطاعات استراتيجية كالأدوية والمواد الغذائية والأوكسجين.
لكن نجاح هذه السياسة مرهون بعوامل أخرى، منها:
استقرار الطاقة.
محاربة الإغراق السلعي.
القضاء على الفساد في المنافذ.
فالحماية الجمركية وحدها لا تكفي إن لم تُستكمل بإصلاحات هيكلية أوسع.
خامساً: البعد السياسي بين بغداد وأربيل
التفاهمات الحالية قد تعكس تقارباً مرحلياً في ظل حاجة الطرفين إلى:
ضبط الإيرادات.
تهدئة الخلافات المالية.
تحسين صورة العراق أمام المؤسسات الدولية.
توحيد التعرفة يمنح الحكومة الاتحادية أدوات أكبر للرقابة، لكنه في الوقت نفسه يتطلب تنسيقاً دائماً مع الإقليم لتفادي عودة التباين.
سادساً: هل تنتهي مرحلة “الرسم المقطوع”؟
الخروج من نظام الرسم المقطوع نحو نظام إلكتروني شفاف يمثل تحولاً في فلسفة الجباية.
الانتقال من التخمين والتدخل البشري إلى الأتمتة يعني:
تقليص فرص الفساد.
رفع كفاءة التحصيل.
تحسين تصنيف العراق في مؤشرات الشفافية والحوكمة.
خلاصة استراتيجية
توحيد التعرفة وتطبيق الأسيكودا ليسا قرارين إداريين فحسب، بل جزء من إعادة بناء منظومة السيطرة على المنافذ والعملة الصعبة.
النجاح سيعني:
زيادة إيرادات الدولة.
تقليص التهريب.
دعم الصناعة الوطنية.
تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد العراقي.
أما الفشل فسيعيد إنتاج السوق المزدوجة ويُبقي المنافذ نقطة ضعف مالية وسياسية.
المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه الخطوة بداية إصلاح جمركي شامل… أم مجرد تفاهم ظرفي تفرضه الضغوط الاقتصادية.







