حرية | تقرير تحليلي | 12 آذار 2026 – إعداد: قسم التحليل – مركز حرية الاستشاري الاعلامي – اشراف: أحمد خالد الحمداني
ما نراه ليس مجرد قصف متفرق، بل نمط ضغط متعدد المحاور داخل الساحة العراقية ضربات على مواقع للحشد قرب عكاشات/القائم على الشريط العراقي–السوري، ضربة قرب جرف الصخر جنوب بغداد، وضربة أخرى جنوب بغداد قتلت قائداً من “المقاومة الإسلامية في العراق”، بالتزامن مع هجمات على منشآت ومقار أمريكية في العراق واتساع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران.
هذا يعني أن العراق تحوّل عملياً إلى ساحة ظل للحرب الإقليمية، لا إلى جبهة معلنة كاملة.
رويترز نقلت مقتل مقاتلين من الحشد في جرف الصخر في 28 شباط ، ثم مقتل قائد من الفصائل جنوب بغداد في 4 آذار ، ثم الضربة الكبيرة في عكاشات في 12 آذار التي وصفتها أسوشيتد برس بأنها أكبر خسارة للحشد منذ بدء الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران.
أولاً: التقدير الاستخباري لهوية الجهة المنفذة
من زاوية استخبارية بحتة، توجد ثلاثة مؤشرات ترفع فرضية إسرائيل إلى مرتبة الاحتمال الراجح في بعض الضربات، وخصوصاً تلك المرتبطة بالشريط الحدودي الغربي.
المؤشر الأول هو نوعية الهدف: مواقع الحشد القريبة من القائم/عكاشات ليست أهدافاً رمزية فقط، بل عقدة ربط لوجستي بين العراق وسوريا، وهي ضمن ما تعتبره إسرائيل منذ سنوات جزءاً من “الجسر البري” الإيراني.
المؤشر الثاني هو منطق الإنكار: إسرائيل لديها سجل طويل في تنفيذ ضربات خارج الحدود مع ترك مساحة إنكار سياسي، بينما الولايات المتحدة عندما تريد توجيه ضربة ردعية مباشرة تعلن ذلك عادة، كما فعلت في ضربات كانون الثاني وشباط 2024 في العراق وسوريا.
المؤشر الثالث هو السابقة العراقية نفسها: في 2019 اتهمت فصائل الحشد إسرائيل بالوقوف خلف سلسلة انفجارات وضربات على مخازن وقواعد، ثم لمح بنيامين نتنياهو علناً إلى أن إسرائيل تعمل ضد التموضع الإيراني “في مناطق كثيرة”، وتحدثت رويترز لاحقاً عن إدانة عراقية وضغط سياسي بعد تلك الضربات.
لكن هذا الترجيح لا يعني إعفاء واشنطن من الدور. التقدير الأمني الأكثر واقعية هو أحد احتمالين:
إما ضربات إسرائيلية بعلم أمريكي مسبق لأن المجال العملياتي في العراق شديد الحساسية بالنسبة للقوات الأمريكية المنتشرة والمنشآت الدبلوماسية الأمريكية؛ أو ضربات أمريكية مباشرة في بعض الحالات عندما يتعلق الأمر برد على تهديدات ضد القوات الأمريكية، وهو ما حدث علناً في 2024. وفي الحالتين، فإن بغداد تجد نفسها أمام معادلة سيادة منقوصة الجهة المنفذة لا تتبنى دائماً، والجهة القادرة على كشف الصورة الكاملة لا تشارك كل ما لديها هذا الاستنتاج تدعمه حقيقة أن الولايات المتحدة أعلنت صراحة ضربات 2024، بينما في الضربات الأخيرة على الحشد لم يصدر تبنٍ أمريكي مماثل حتى الآن، رغم وقوع هجمات على منشآت أمريكية في بغداد وأربيل خلال الفترة نفسها.
ثانياً: لماذا تُستهدف القائم وعكاشات تحديداً؟
منظور الاستخبارات العسكرية يرى أن القائم–عكاشات ليست منطقة هامشية، بل مفصل استراتيجي هذه المنطقة تربط غرب الأنبار بالحدود السورية، وتتحكم بخطوط انتقال الأفراد والسلاح والإمداد بين العراق وشرق سوريا لذلك، من يريد تفكيك العمق اللوجستي للفصائل المرتبطة بإيران لن يبدأ ببغداد، بل يبدأ من العقد الحدودية ومسارات الإمداد ولهذا أيضاً كانت عكاشات حاضرة في ضربات أمريكية معلنة سابقاً في شباط 2024، وحاضرة الآن في الضربات الأخيرة التي استهدفت اللواء 19 من الحشد وفق تقارير إعلامية متعددة ومسؤولين من الحشد تحدثوا لوسائل الإعلام.
استخبارياً، ضرب هذا الشريط يحقق للفاعل أربع نتائج في وقت واحد:
يعطّل مخازن وتمركزات، يربك القيادة والسيطرة، يفرض على الفصائل إعادة الانتشار بعيداً عن الحدود، ويبعث رسالة بأن العمق الغربي العراقي لم يعد منطقة أمان عملياتي وهذه رسالة ذات أثر نفسي لا يقل عن الأثر الميداني، لأنها تنقل الفصائل من وضع “المبادِر” إلى وضع “المستنزَف والمكشوف”هذا بالضبط هو منطق حرب ما بين الحروب ضربات محسوبة، دون احتلال، ودون إعلان شامل، لكن بهدف تآكل الخصم تدريجياً السجل الإسرائيلي في سوريا والعراق خلال السنوات الماضية يتوافق إلى حد كبير مع هذا المنهج.
ثالثاً: ماذا عن ضربة قاعدة فكتوريا/محيط مطار بغداد؟
المعطيات المنشورة علناً تشير إلى أن ما أصاب المنشأة الأمريكية قرب بغداد كان هجوماً بطائرة مسيرة على منشأة دبلوماسية/أمنية أمريكية، وقد نقلت رويترز وواشنطن بوست أن ضربة استهدفت موقعاً أمريكياً رئيسياً في بغداد دون وقوع إصابات، مع ترجيح أمريكي أن المنفذين من فصائل موالية لإيران هذا لا يثبت فرضية بأن الضربة “إسرائيلية لتوجيه رسالة دون خسائر”، بل الأرجح وفق المعطيات المعلنة أنها ضربة ضد الأمريكيين لا ضربة إسرائيلية باسم الأمريكيين. لذلك، من الناحية التحليلية يجب الفصل بين نوعين من الأحداث:
هجمات الفصائل على الأهداف الأمريكية في بغداد وأربيل، وضربات مجهولة/غير متبناة على مواقع الحشد في الغرب والجنوب الخلط بين المسارين ممكن سياسياً، لكنه استخبارياً قد يحجب الصورة الصحيحة.
رابعاً: هل توجد “عمليات مشابهة” سابقة نُفذت بهذه الطريقة؟
نعم، وهناك سوابق واضحة تشبه هذا النمط:
في صيف 2019 تعرّضت مواقع ومخازن تابعة للحشد في العراق لسلسلة انفجارات وضربات. حينها اتهمت فصائل الحشد إسرائيل، وقالت إن الولايات المتحدة وفّرت الغطاء الجوي، ثم لمح نتنياهو إلى أن إسرائيل تعمل ضد التموضع الإيراني في أكثر من ساحة. هذه سابقة مهمة لأنها تُظهر نفس العناصر تقريباً أهداف مرتبطة بإيران، غموض أولي، اتهام أمريكي–إسرائيلي، ثم تلميح إسرائيلي دون تبنٍ قانوني مباشر كامل.
وفي كانون الثاني وشباط 2024 نفذت الولايات المتحدة ضربات معلنة على مواقع مرتبطة بكتائب حزب الله وفصائل أخرى في العراق، منها القائم وعكاشات، وقدمتها كإجراءات دفاعية وردعية بعد هجمات على قواتها. هذه السابقة مختلفة عن النمط الإسرائيلي لأن واشنطن هنا أعلنت المسؤولية، لكنها مهمة لأنها تؤكد أن الشريط نفسه — القائم/عكاشات — يُنظر إليه أمريكياً أيضاً كمنطقة تهديد عملياتي مباشر.
وفي الأيام الأخيرة من آذار 2026 ظهرت أيضاً تقارير عن إنزالات أو توغلات غامضة في بادية العراق قرب المثلثات الصحراوية والحدود السعودية، مع مقتل جندي عراقي خلال مهمة استطلاع، بينما قالت فايننشال تايمز إن السلطات العراقية لم تتمكن من الجزم علناً بمنفذ العملية، وإن بعض المسؤولين العراقيين رجحوا احتمال ضلوع قوات أمريكية خاصة. هذه الحلقة لا تثبت مباشرة السردية الإسرائيلية، لكنها تؤكد وجود نمط عمليات منخفض البصمة، عالي الغموض، في الفراغات الصحراوية العراقية.
خامساً: هل الهدف فقط ضرب الحشد أم إعادة هندسة المسرح الأمني العراقي؟
التقدير الأمني الأوسع هو أن الهدف ليس فقط قتل عناصر أو تدمير مخازن، بل إعادة تشكيل بيئة الردع داخل العراق عندما تُضرب مواقع الحشد في الغرب، ويُضرب قادة ميدانيون جنوب بغداد، وتُستهدف مواقع أمريكية في بغداد وأربيل، يصبح العراق أمام مشهد مقصود عنوانه “إجبار الفاعلين العراقيين على الانشغال بالدفاع الداخلي بدلاً من توسيع الاشتباك الإقليمي” هذا يفيد إسرائيل لأنها تريد تخفيف ضغط “محور الإسناد”، ويفيد واشنطن لأنها تريد حماية قواتها وردع الهجمات عليها، حتى لو لم تتطابق الأدوات الأمريكية والإسرائيلية في كل مرة، العراق اليوم “جبهة ظل” للحرب، وهذا توصيف قريب جداً من القراءة الاستخبارية للمشهد.
سادساً: ماذا يعني ذلك بالنسبة للعراق؟
المشكلة المركزية ليست فقط “من ضرب؟” بل أن العراق لا يملك حتى الآن احتكاراً كاملاً للصورة الجوية والاستخبارية فوق أراضيه عندما تقع ضربات دون تبنٍ، وتتحرك قوات أجنبية أو شبه أجنبية في الصحارى أو الشريط الحدودي، وتبقى الحكومة في موقع المتلقي للمعلومة لا صانعها، فإن ذلك يعني أن الإنذار المبكر والسيادة الاستخبارية ما زالا ناقصين لذلك فإن الانطباع الشعبي والسياسي بأن الاتفاقات الأمنية لا تترجم حماية فعلية على الأرض ليس انطباعاً عاطفياً فقط، بل له أساس في واقع العجز عن المنع المسبق أو الكشف اللاحق الكامل غير أن تحويل هذا الاستنتاج إلى حكم نهائي على “الاتفاقية الاستراتيجية” يحتاج أدلة مؤسساتية لا مجرد الاستياء السياسي.
تشير المعطيات الأمنية خلال الفترة الأخيرة إلى أن العراق يشهد حرب ظل معقدة متعددة الأطراف، حيث تتقاطع على أراضيه عمليات غير معلنة ضمن الصراع الإقليمي الدائر في الشرق الأوسط. الضربات التي استهدفت مواقع الحشد الشعبي في القائم وعكاشات وجرف الصخر وجنوب بغداد يمكن قراءتها ضمن حملة استنزاف مركزة للبنية العسكرية واللوجستية للفصائل القريبة من إيران، خصوصاً في المناطق التي تمثل عقداً لوجستية على الشريط الحدودي العراقي-السوري.
في هذا السياق، تبرز فرضية الدور الإسرائيلي في بعض الضربات، استناداً إلى طبيعة الأهداف وطريقة التنفيذ التي تعتمد الضربات الدقيقة غير المعلنة، إضافة إلى وجود سوابق تاريخية مشابهة في العراق وسوريا خلال السنوات الماضية في المقابل، تبقى الولايات المتحدة لاعباً أساسياً في المجال الجوي العراقي، وقد نفذت في السابق ضربات مباشرة في هذه المناطق عندما اعتبرت أن قواتها أو مصالحها مهددة.
أما الهجمات التي استهدفت منشآت أو مواقع مرتبطة بالوجود الأمريكي في بغداد، فهناك قراءتان أمنيتان محتملتان في التحليل غير الرسمي:
الأولى ترى أنها هجمات نفذتها فصائل مسلحة مرتبطة بمحور إيران في إطار الضغط على الوجود العسكري الأمريكي في العراق.
أما القراءة الثانية فتطرح احتمال أن تكون بعض هذه العمليات جزءاً من عمليات تضليل أو إرباك استخباري اسرائيلي تهدف إلى خلط الأوراق وإظهار المشهد وكأن الفصائل تقف خلفها، خاصة أن استهداف مناطق تضم منشآت أو سجوناً لعناصر تنظيم داعش قد لا يخدم مصلحة تلك الفصائل التي خاضت حرباً مباشرة ضد التنظيم في السنوات الماضية.
بناءً على ذلك، فإن المشهد الأمني في العراق لا يمكن تفسيره بوجود فاعل واحد يقف خلف جميع العمليات، بل يبدو أقرب إلى مسرح عمليات متشابك تتداخل فيه عدة خطوط صراع:
ضربات محتملة تستهدف الفصائل المرتبطة بإيران.
عمليات ردع أمريكية عندما تتعرض قواتها للتهديد.
هجمات فصائلية ضد المصالح الأمريكية.
واحتمالات عمليات تضليل استخباري تهدف إلى خلط المشهد وإرباك الساحة الأمنية.
هذا التداخل يعكس أن العراق أصبح ساحة مواجهة غير مباشرة ضمن الصراع الإقليمي الأكبر، حيث تتداخل الحسابات العسكرية والاستخبارية والسياسية في وقت واحد، الأمر الذي يضع الدولة العراقية أمام تحدٍ كبير يتمثل في تعزيز منظومة السيادة الاستخبارية والإنذار المبكر لمنع تحويل أراضيها إلى مسرح دائم لتصفية الصراعات الدولية والإقليمية.








