وكالة حرية | الاربعاء 29 تشرين الاول 2025
تشهد الساحة السياسية العراقية جدلاً واسعاً عقب تجديد زعيم التيار الوطني الشيعي (التيار الصدري)، مقتدى الصدر، دعوته إلى مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقررة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، في موقف أعاد خلط الأوراق داخل المعسكرات السياسية، وأثار تساؤلات حول مستقبل التوازنات داخل البرلمان المقبل.
ويتفق ستة مراقبين ,على أن دعوات الصدر، المدعومة بقاعدة جماهيرية واسعة ومنضبطة، قد تُحدث تراجعاً في نسب المشاركة خصوصاً في العاصمة بغداد والمحافظات الجنوبية، ما ينعكس على شكل الخارطة البرلمانية المقبلة، ويضع القوى السياسية أمام اختبار جديد لاستعادة ثقة الشارع.
وكان الصدر قد ردّ، أول أمس الاثنين، على المنتقدين لموقفه، مستشهداً بفتوى والده المرجع الراحل محمد محمد صادق الصدر، مؤكداً أن المشاركة في الانتخابات المقبلة “لن تُحدث تغييراً حقيقياً”، وأنه “لا يمكن معونة الفاسد على فساده”.
أبعاد الموقف الصدري
يقول رئيس مركز بغداد للدراسات الاستراتيجية مناف الموسوي، المقرب من التيار، إن “المقاطعة التي أعلنها مقتدى الصدر ليست موجهة إلى منطقة أو محافظة بعينها، بل هي مقاطعة شاملة واستراتيجية اتخذها بعد تعرض مشروعه الإصلاحي لمحاولات إفشال داخلية وخارجية”.
ويضيف الموسوي أن “الانتخابات المقبلة لن تفضي إلى تغيير حقيقي، بل ستعيد إنتاج ذات الطبقة السياسية”، مشيراً إلى أن الصدر يسعى من خلال موقفه إلى الضغط باتجاه إصلاح النظام القائم.
ويرى أن “غياب التيار الصدري قد يؤثر على شفافية ومصداقية الانتخابات، إذ إن المشاركة ستنحصر في جمهور الأحزاب التقليدية والناخبين الزبائنيين”، لكنه استبعد أن تُغيّر المقاطعة التوازنات الكبرى بين الكتل.
تأثير المقاطعة على نسب المشاركة
من جانبه، يقول المحلل السياسي مجاشع التميمي إن “دعوات الصدر لمقاطعة الانتخابات سيكون لها أثر ملموس، خاصة في المحافظات ذات الثقل الصدري مثل النجف وميسان وذي قار وبغداد”.
ويضيف أن المقاطعة ستؤدي إلى انخفاض نسب المشاركة وكشف حجم الفجوة بين الشارع والقوى السياسية، كما ستضعف شرعية النتائج لدى جمهور واسع يرى أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق عبر صناديق انتخابية تهيمن عليها المصالح الحزبية والمال السياسي.
ويؤكد التميمي أن “التيار الصدري لن ينسحب من المشهد تماماً، فالمقاطعة تمثل موقفاً احتجاجياً يهدف إلى الضغط من أجل إصلاح شامل، وقد تعيد تشكيل موازين القوى مستقبلاً إذا ما فُتح الباب أمام نظام انتخابي أكثر نزاهة”.
إعادة رسم الخريطة السياسية
أما الباحث السياسي عائد الهلالي فيرى أن “دعوات الصدر تشكل عاملاً مؤثراً في المشهد الانتخابي، خصوصاً في المحافظات المختلطة مثل بغداد وديالى وبابل وكركوك”، مبيناً أن جمهور الصدر “من أكثر القواعد التزاماً بتوجيهات زعيمه”، ما يجعل تأثيره واضحاً على نسب التصويت.
ويضيف الهلالي أن استجابة جمهور الصدر للمقاطعة قد تمنح فرصة أكبر للأحزاب الصغيرة أو المستقلة لاقتناص مقاعد جديدة نتيجة تشتت الأصوات، لافتاً إلى أن غياب الصدر عن التنافس لا يعني غيابه عن التأثير، إذ يمتلك أدوات ضغط اجتماعية وشعبية قد تُستخدم لاحقاً في مرحلة ما بعد الانتخابات.
قلق داخل الإطار التنسيقي
في المقابل، يرى النائب عن تحالف الفتح مختار الموسوي أن “مقاطعة التيار الصدري ستؤثر بنسبة 100% على قوى الإطار التنسيقي، خاصة في مناطق مدينة الصدر والشعب والكاظمية ببغداد، إضافة إلى المحافظات الجنوبية”.
ويشير إلى أن التمثيل السياسي للمكون الشيعي سيتأثر مباشرة، ما قد يؤدي إلى خلل في الموازنة الثلاثية بين الشيعة والسنة والكورد، محذراً من “نشوء حالة عدم استقرار داخل العملية السياسية”.
المعادلة السنية وتأثير المقاطعة
أما النائب عن حزب “تقدم” محمد قتيبة البياتي، فيقول إن “جمهور التيار الصدري جمهور عقائدي يلتزم بتعليمات زعيمه، وبالتالي فإن مقاطعتهم لن تصب في مصلحة المكون السني كما يتصور البعض، بل ستكون خسارة للعملية السياسية برمتها”.
ويضيف البياتي أن “التيار الصدري يشكل رافعة مهمة للشرعية الشعبية والتمثيل المتوازن، وغيابه يعني فقدان أحد أهم مكونات التوازن الوطني”.
وفي السياق ذاته، يرى الباحث السياسي عبد القادر النايل أن “دعوات الصدر سترفع نسبة المقاطعة العامة لدى جميع المكونات، بما فيها المكون السني الذي يعاني أصلاً من ضعف المشاركة”.
ويشير النايل إلى أن “نظام المحاصصة الذي تأسس منذ مجلس الحكم حدد مسبقاً نسب التمثيل، بحيث يحصل السنة على نحو 90 مقعداً و6 وزارات بغض النظر عن حجم المشاركة الفعلية”، ما يعني أن مقاطعة الصدر لن تمنحهم مقاعد إضافية، بل قد تفتح المجال أمام قوى مسلحة وقوائم موالية للإطار التنسيقي.
انسحاب الصدر وخلفياته
وكان مقتدى الصدر قد أعلن في آذار/مارس الماضي عدم مشاركته في الانتخابات المقبلة، معتبراً أن العراق “يعيش أنفاسه الأخيرة” في ظل “الفساد والفاسدين”.
وفي حزيران/يونيو 2022، قرر الصدر الانسحاب من العملية السياسية وسحب جميع نوابه الـ73 من البرلمان، بعد فشل مساعيه في تشكيل حكومة جديدة عقب الانتخابات المبكرة عام 2021، بسبب ما عُرف آنذاك بـ”الثلث المعطل” الذي استخدمه الإطار التنسيقي لمنع عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، الممهدة لتسمية رئيس الوزراء.







