وكالة حرية | الاثنين 11 آب 2025
الدكتور صفاء الوائلي
هناك مقولة مشهورة ( حينما تصل المعارضة الى الحكم..تنسى لماذا كانت تعارض )
من الشائع والمعروف في السياسة ان تواجه الحكومات معارضة وهو جزء من ابجديات العمل الديمقراطي على ان تمارس المعارضة دورا سياسيا يهدف الى تقييم وتقويم سياسات الحكومات وادائها ..وفي نفس الوقت ينتج عن نفس المنظومة مجموعات داعمة للحكومة مساندة لها ومشاركة لها في عملها الحكومي .
وبين المعارض والمساند او المشارك ظهر مصطح المتضرر والمستفيد.
اصبح مفهوم المعارضة للاسف مرتبط بالضرر الذي يصيب الكيانات السياسة او الاشخاص وعدم قدرتهم على الانتفاع بشتى اشماله من تلك الحكومة فيتخذون موقف معارض مع غياب قواعد المعارضة السياسية المعروفة. اما المساندين فقد يتحولون الى منتفعين من تلك الحكومات او العملية السياسية فيتخذون موقفا داعما لها وفق انتفاعهم الحزبي او الشخصي من تلك الحكومات . ان هذا التحول الانتفاعي والمبني على الانتفاع والمكاسب الشخصية والحزبية هو تحول يُفقد العمل السياسي جوهره الديمقراطي.
ان المعضلة الأصلية والحقيقية تتمثل في ان تصبح المعارضة وسيلة لا مبدأ. وهذا يناقض مفهوم النموذج الديمقراطي المثالي الذي يعتمد على مبداء المعارضة جزء من منظومة التوازن التي تُخضع الحكومة للمساءلة لصالح المصلحة العامة.
لكن مع الاسف اصبح الواقع المرير يتجسد في غياب آليات مؤسسية راسخة مثل (استقلال القضاء، حرية الإعلام، انتخابات نزيهة) حينها تتحول المعارضة إلى
رد فعل على الحرمان المتمثل في خسارة مناصب، تهميش اقتصادي.
او تتحول المعارضة الى أداة للتفاوض على الحصص(مقاعد، مشاريع، امتيازات).
السؤال هنا لماذا يتحول المتضررون إلى مستفيدين عند وصولهم للحكم؟ وكيف يتاثرون بهذا التحول وماهي الاسباب التي قادت الى هذا التحول وتاثيراته على الواقع السياسي للبلد.
اولا نظريةالاختيار العقلاني:
– قبل السلطة: معارضة النظام هي الاستثمار الأفضل لتحقيق مكاسب (شعبية، تفاوضية).
– بعد السلطة: الولاء للنظام يصبح الخيار العقلاني لضمان البقاء والامتيازات (مثال: أحزاب تُدمج في الائتلاف الحاكم مقابل مناصب).
- فساد البنية المؤسسية:
- غياب الرقابة المستقلة (برلمان ضعيف، إعلام مُسيس) يُحوِّل الدعم إلى وسيلة للوصول للموارد.
- هشاشة الأحزاب تجعل ولاء الأعضاء للزعيم (وليس البرنامج) هو الضامن الوحيد للترقي.
النتيجة: نظام هجين يخلط بين الديمقراطية والمحاصصة.
وصف المفكر عزمي بشارة المشكلة بانها ليست في تغيير المواقف بعد الوصول للسلطة، بل في أن المعارضة لم تكن أصلًا مؤسسة على رؤية بديلة، بل على رغبة في المشاركة في الكعكة وان مخرجات هذا النظام :
-تآكل الشرعية: الشعب يفقد الثقة في المعارضة والدعم معًا. -تكريس الفساد: الحكومة تشتري السكوت عبر منح امتيازات. - انهيار التناوب السلمي: لا أحد يتنازل عن السلطة طوعًا إذا كانت هي مصدر الثروة والبقاء.
اذن هل هناك مخرج نحو معارضة مؤسساتية حقيقية؟
المفتاح ليس في أخلاق السياسيين، بل في هندسة النظام…
كيف تبنى او تتحقق هندسة النظام ؟
- استقلالية المؤسسات الرقابية (القضاء، الهيئات المضادة للفساد).
- تمويل عام للأحزاب يقلل اعتمادها على رعاة المصالح.
- قوانين انتخابية تمنع تحويل البرلمان إلى سوق للمقايضة (كوتا للنساء/الشباب، دوائر نسبية).
- إعلام حر يكشف تحول المتضررين إلى مستفيدين ويُسمع صوت المجتمع لا النخب ودون ان يتحول او يتم استثماره واستغلاله ليصبح اداة للدعم او جزءا من المشكلة.
الخلاصة الأهم تتلخص في ان المعارضة ليست مهنة للوصول إلى السلطة، بل وظيفة مجتمعية دائمة. حين تنهار هذه الفكرة، يصبح المتضرر والمستفيد وجهين لعملة واحدة الا وهي تحول السياسة الى مصدر رزق .
التغيير يبدأ عندما يُدرك المواطن أن صوته ليس ورقة مساومة بين نُخب، بل أداة لفرض نظام جديد.







