حرية | الثلاثاء 3 آذار 2026
الدكتور صفاء الوائلي
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قوة الدول فقط بترساناتها العسكرية، بل بقدرتها على إدارة الصراع وكسب معركة الإرادة. خلال السنوات الأخيرة، سعت إيران إلى إعادة تعريف قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة، ليس عبر مواجهة تقليدية شاملة، بل من خلال استراتيجية مركّبة تمزج بين الردع غير المباشر، وإدارة التوقيت، وتوسيع مساحات التأثير الإقليمي. هذا النهج وضع واشنطن في مواقف معقدة، حيث يصبح أي ردّ مباشر محفوفًا بكلفة سياسية وعسكرية، وأي تجاهل يُقرأ باعتباره تراجعًا في الهيبة.
تعتمد طهران على مفهوم الصبر الاستراتيجي مقرونًا بردود محسوبة، تهدف إلى تثبيت معادلة مفادها أن الضغط الأقصى لا يعني الخضوع الأقصى. فهي تراهن على أن الإرادة السياسية الطويلة النفس قادرة على استنزاف خصمٍ يتبدّل مزاجه تبعًا للداخل الانتخابي وحسابات الرأي العام. بهذا المعنى، تحوّل الصراع من مواجهة نارٍ بنار إلى اختبار أعصابٍ طويل الأمد، تُقاس فيه المكاسب بميزان التحمل وليس بميزان الضربة القاضية.
في المقابل، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة معقدة: فهي مطالبة بالحفاظ على صورة القوة الرادعة أمام حلفائها، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة في منطقة مزدحمة بالأزمات. هذا التوازن الدقيق يجعل أي تحرك أمريكي خاضعًا لحسابات متشابكة، تتعلق بأمن الطاقة، واستقرار الحلفاء، وتجنب التورط في صراع إقليمي واسع. وهنا تحديدًا تكمن الزاوية الحرجة التي تحاول إيران الدفع بها إلى الواجهة.
لكن القول إن طهران كسرت الوهم الأمريكي يحتاج إلى قراءة واقعية. فالقوة الأمريكية لا تزال حاضرة عسكريًا واقتصاديًا، حضور اصبح على المحك وقد يتحول الى وهم وصل الى نهايته. غير أن ما تغيّر هو طبيعة الردع ذاته. لم يعد الردع أحادي الاتجاه، بل أصبح متبادلًا، تُعاد صياغته وفق أدوات غير تقليدية: حرب سيبرانية، نفوذ إقليمي، تحالفات مرنة، وضغط اقتصادي مضاد. بهذا التحول، لم تعد المعادلة قائمة على من يمتلك السلاح الأقوى، بل على من يستطيع فرض معادلة كلفةٍ أعلى على خصمه دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة.
في المحصلة، ما يجري هو إعادة تموضع في ميزان الإرادات. إيران تسعى لإثبات أن الشعوب والدول المستهدفة قادرة على فرض ارادتها مقابل القوة، فيما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على توازن بين الردع والاحتواء. وبين هذين المسارين، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، عنوانها الأبرز: صراع الإرادات في عصر ما بعد الهيمنة المنفردة.







