وكالة حرية | السبت 27 ايلول 2025
أحمد الحمداني
إسرائيل… بين اللوبيات والمال والمنظومات السرية
منذ لحظة إعلان قيامها عام 1948 لم تكن إسرائيل مجرد كيان جغرافي محدود بل مشروع استراتيجي يتجاوز الحدود، قائم على شبكة واسعة من اللوبيات السياسية و النفوذ المالي والتحالفات السرية و بمرور العقود نجحت هذه المنظومة في أن تجعل من إسرائيل لاعبًا يتصدر المشهد الدولي وكأنها دولة عظمى رغم صِغر مساحتها وقلة سكانها.
السؤال الذي يفرض نفسه كيف حدث ذلك؟ وما هي الخفايا التي قلّما تُكشف؟
في واشنطن، يقف لوبي AIPAC كأحد أقوى جماعات الضغط، قادرًا على إسقاط سياسي أو إيصال آخر إلى البيت الأبيض و التمويل الانتخابي و كتابة مسودات القوانين وتنظيم المؤتمرات المغلقة كلها أدوات يستخدمها اللوبي لترسيخ نفوذ إسرائيل وفي لندن وعواصم أوروبا تتكرر الصورة ذاتها عبر شبكات ضغط سياسي وإعلامي لا تقل نفوذًا.
هذه اللوبيات لا تعمل في فراغ، بل تُغذّى من مؤسسات فكرية، جماعات إعلامية وعلاقات شخصية متشابكة. النتيجة أن القرار السياسي في هذه الدول غالبًا ما يمر عبر فلتر مصالح إسرائيل قبل أن يصل إلى التنفيذ.
منذ القرن التاسع عشر لعبت عائلات مالية مثل روتشيلد وروكفلر دورًا في تأسيس شبكات مصرفية عالمية ومع مرور الوقت، بات لهذه العائلات نفوذٌ واسع في البنوك الدولية وأسواق المال لم يكن ذلك نفوذًا عابرًا بل استُخدم لتأمين تمويل مشاريع إسرائيلية، سواء في الاستيطان أو التكنولوجيا أو الصناعات العسكرية.
اليوم، يشكل الاقتصاد الإسرائيلي المدعوم بالتقنيات المتقدمة والأموال المتدفقة ركيزة أساسية لحماية إسرائيل سياسيًا فحين يصبح الاقتصاد الغربي مرتبطًا بشركات إسرائيلية في مجالات الأمن السيبراني والتكنولوجيا الحيوية يصبح من الصعب على الغرب اتخاذ موقف صلب ضد إسرائيل.
من أخطر الأدوات التي استخدمت عبر التاريخ تأسيس أو دعم مجموعات مسلحة بغطاء ديني أو قومي لتفتيت الخصوم وتشويه صورتهم. التاريخ الحديث مليء بالأمثلة:
جيش جنوب لبنان (SLA): ميليشيا مسيحية تلقت دعمًا عسكريًا ولوجستيًا من إسرائيل خلال الاحتلال الإسرائيلي للجنوب حتى عام 2000.
الميليشيات المرتبطة بالكتائب اللبنانية (الفيلق/القوات اللبنانية): شهدت الحرب الأهلية اللبنانية تعاونًا مع إسرائيل، وتداعيات هذه العلاقة ظهرت في أحداث مأساوية مثل مجزرة صبرا وشاتيلا.
فصائل سورية محلية على الحدود: خلال الحرب السورية، وثّقت تقارير علاقات محدودة بين إسرائيل وبعض الفصائل في إطار عمليات مثل “Operation Good Neighbor”، تحت غطاء المساعدات الإنسانية والأمنية.
هذه الأمثلة ليست اتهامات بل حقائق موثقة في مذكرات ووثائق تاريخية وتحقيقات صحفية، تكشف كيف تُستخدم الميليشيات كأدوات بالوكالة لإضعاف الخصوم وتفتيت المنطقة.
من كامب ديفيد إلى أوسلو، وصولًا إلى اتفاقات أبراهام بدت الاتفاقات وكأنها محاولات لإحلال السلام لكن خلف الأبواب المغلقة، هناك ملفات اقتصادية وأمنية ترتب لتمرير النفوذ الإسرائيلي على المدى البعيد لقاءات في عواصم أوروبية و صفقات غاز وطاقة و اتفاقات أمنيّة غير معلنة كلها جزء من آليات جعلت إسرائيل شريكًا إجباريًا في مستقبل المنطقة.
الشعار القديم “من النيل إلى الفرات” قد يبدو طوباويًا للبعض، لكنه يُترجم عمليًا عبر خطوات تدريجية محاولة فعلية لإضعاف الدول المحورية عبر إشعال الحروب الداخلية والانقسامات الطائفية مثلاً..
اللعب بتفتيت الجغرافيا بخلق كيانات سياسية متناحرة لا تستطيع الوقوف أمام إسرائيل.
العمل في السيطرة الاقتصادية على مفاصل الطاقة والمياه.
وأخيراً التطبيع العلني الذي يمنح إسرائيل شرعية جديدة ويُشرعن تغلغلها في الأسواق والمجتمعات العربية.
هل يمكن المواجهة ويجب ان تكون فعلية و ليست شعاراتية بل عملية؟ الجواب يكون نعم صناعة إعلام فضائحي وكاشف يفضح الاتفاقات السرية وعمليات التمويل عبر تحقيقات صحفية حقيقية.
بناء اقتصاد مقاوم من خلال بناء شبكات اقتصادية عربية مستقلة تقلل من الارتهان للمؤسسات الغربية.
تشكيل جبهة عربية موحدة تتجاوز الخلافات الطائفية والسياسية لبناء موقف إقليمي صلب.
وب بناء مناعة مجتمعية من خلال تعزيز الخطاب الوطني وبناء فرص اقتصادية للشباب لمنع استغلالهم.
تشكيل تحالفات بديلة بالتعاون مع قوى دولية صاعدة مثل الصين وروسيا والهند لإيجاد توازن جديد.
ان إسرائيل ليست قدَرًا محتومًا ولا قوة مطلقة هي مشروع سياسي اقتصادي نجح في توظيف المال و اللوبيات والتحالفات لتضخيم حجمه وتأمين بقائه لكن المشاريع التوسعية عبر التاريخ، مهما بلغت قوتها، اصطدمت في النهاية بوعي الشعوب ووحدتها.
إن إدراك الخفايا من اللوبيات المالية إلى الميليشيات المدعومة سرًا ليس ترفًا فكريًا بل ضرورة وجودية لحماية أوطاننا من التفتيت والتبعية.







