بغداد – | وكالة حرية – 10 شباط 2026
توفي اليوم الثلاثاء 10شباط 2026 اللواء محمد البيضاني، أحد أبرز العقول التي أسهمت في صياغة وإدارة الخطاب الأمني العراقي خلال الحرب ضد تنظيم داعش، بعد مسيرة مهنية طويلة شغل فيها مواقع حساسة جمعت بين العمل الأمني والإعلامي في أكثر مراحل البلاد تعقيدًا.
أدوار محورية في زمن الحرب
وبرز اسم البيضاني على نحوٍ لافت إبان معارك التحريرمن تنظيم داعش الارهابي، حين تولّى مسؤولية خلية الإعلام الحربي التي أدارت الرسالة الرسمية للدولة خلال العمليات العسكرية، قبل أن يُعاد تنظيمها وتسميتها لاحقًا إلى خلية الإعلام الأمني.
وقد شكّل هذا التحول محطة مفصلية في تاريخ الاتصال الأمني العراقي، إذ انتقلت الرسالة من الطابع العملياتي الميداني إلى خطاب مؤسسي أوسع وأكثر تنظيمًا، يوازن بين مقتضيات الأمن وحق الرأي العام بالمعلومة.
كما شغل اللواء الراحل منصب مدير مكتب مستشار الأمن القومي، وأسهم من خلاله في تنسيق الرسائل الإعلامية بين المؤسسات الأمنية والعسكرية، إضافة إلى تولّيه خلال السنوات الماضية منصب مدير إعلام الشرطة الاتحادية، حيث واصل العمل على تطوير الأداء الإعلامي المرافق للجهد الأمني، ورفع مهنية الخطاب المرتبط بعمليات فرض القانون.
كاتب “بيان النصر”
ويُعدّ البيضاني كاتب بيان النصر الذي أعلن عبره تحرير العراق من تنظيم داعش، وهو البيان الذي اكتسب رمزية وطنية عالية بوصفه الإعلان الرسمي لنهاية واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ العراق الحديث، وترسيخًا لسردية الدولة المنتصرة على الإرهاب، بعد سنوات من الاستنزاف الأمني والإنساني.
نعي رسمي وإشادة وطنية
ونعى قاسم الأعرجي، مستشار الأمن القومي، اللواء الراحل ببيان رسمي، قدّم فيه خالص العزاء والمواساة إلى أسرته وذويه، مشيدًا بإخلاصه وعطائه الوطني، ومؤكدًا أن الفقيد كان مثالًا للالتزام والانضباط والمواقف المشرفة، وأن سيرته المهنية ستبقى حاضرة في ذاكرة المؤسسة الأمنية ومن عملوا معه.
شهادات رفاق الدرب
وفي شهادات مؤثرة عكست عمق الحضور المهني والإنساني للواء الراحل محمد البيضاني، توالت بيانات النعي من رفاق الدرب وزملاء المهنة، مؤكدة أن الفقيد لم يكن مجرد ضابط، بل مدرسة في الانضباط والالتزام والصدق الوطني.
وكتب الفريق سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني، ناعيًا صديقه ورفيق دربه:
“ببالغ الحزن والأسى، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، أنعي أخي وصديقي ورفيق الدرب والمعارك اللواء محمد البيضاني، مستذكرًا مآثر الفقيد وسيرته العطرة، وما قدّمه من تضحيات جسام في ميادين الشرف دفاعًا عن العراق وأمنه وكرامة شعبه. لقد كان مثالًا للبسالة والإخلاص، حاضرًا في ساحات الواجب، ثابتًا عند الشدائد، لا يعرف التراجع حين ينادي الوطن. وإن فقده خسارة كبيرة، لكن عزاءنا أن بصمته ستبقى حيّة في ذاكرة رفاقه وكل من عرفه.”
وختم بالدعاء للفقيد بالرحمة والمغفرة، ولذويه بالصبر والسلوان.
من جهته، كتب الصحفي علي الخالدي نعيًا وجدانيًا استعاد فيه سنوات الصداقة والعمل المشترك، قائلاً:
“مات حبيبي وأخي وصديقي… أدعو له. كان شريفًا ووطنيًا وصادقًا ومتواضعًا. كان الوسادة عند التعب، والسند إذا تعثر الطريق. اللواء الصحفي محمد إبراهيم البيضاني عند رب رحيم يعرفه جيدًا.”
كما قدّم عبد الأمير الشمري، وزير الداخلية، نعيًا رسميًا استهلّه بآية كريمة، عبّر فيه عن بالغ الحزن لفقدان أحد ضباط الوزارة، مؤكدًا أن مسيرة الراحل كانت مثالًا يُحتذى به في الالتزام والانضباط، وأنه جسّد نموذج رجل الأمن المخلص الذي قدّم الأمان والواجب على كل اعتبار.
وأشار البيان إلى أن البيضاني كان “صوتًا إعلاميًا حقيقيًا ولسان الوطن الصادق” في المواقع التي شغلها، وأن ذكراه ستبقى شاهدة على إخلاصه وإنسانيته وأثره المهني.
وفي شهادات تعكس مكانته المهنية والإنسانية، قال العميد نبراس محمد، مدير إعلام شرطة الكرخ، إن “اللواء محمد البيضاني علّم الكثير من زملائه الضباط والعاملين معه أصول العمل الإعلامي الأمني المهني”، مؤكدًا أن “رحيله فاجعة حقيقية للمؤسسة الأمنية ولجميع من عملوا إلى جانبه”.
من جانبه، استذكر علي الدهلكي، من إعلام وزارة الدفاع وصديق الفقيد، سيرة البيضاني قائلًا إن “محمد لم يكن مجرد مسؤول، بل صديق وأخ وإنسان وطني بامتياز، وكان له دور واسع ومؤثر في مواجهة أعداء الوطن”، مشيرًا إلى أن حضوره المهني والإنساني ترك أثرًا لا يُنسى.
بدوره، أكد صديقه المستشار السابق في العمليات المشتركة أحمد الحمداني أن “محمد البيضاني لم يكن منصبًا بقدر ما كان إنسانًا وصديقًا وطنيًا يعشق الأرض”، مضيفًا: “كنا نسهر ليالي طويلة ونتحدث عن كيفية تطوير الخطاب الأمني لمواجهة أعداء الوطن، وكان يؤمن بأن الكلمة المدروسة قد تسبق الرصاصة أثرًا”.
وأشار الحمداني إلى أن الفقيد، المعروف بلقب “أبو أيمن”، “كان شجاعًا في المواجهة، يحترم أصدقاءه، وفيًّا لوطنه، ولا يساوم على ثوابته مهما اشتدت الظروف”.
بهذه الشهادات المتقاطعة، يودّع الوسط الأمني والإعلامي العراقي اللواء محمد البيضاني، وقد ترك إرثًا من المهنية والوفاء، وبصمة لا تُمحى في ذاكرة الدولة ورفاقها
ما وراء الوظيفة
ولا يُقرأ رحيل اللواء محمد البيضاني كخبر وفاة لمسؤول أمني سابق فحسب، بل كغياب اسمٍ ارتبط بمرحلة كان فيها الإعلام جزءًا من المعركة، يوازي السلاح في التأثير، ويؤدي دورًا حاسمًا في رفع المعنويات، وضبط المعلومة، وبناء ثقة الرأي العام بالمؤسسات الأمنية.
لقد عمل البيضاني في مساحة شديدة الحساسية، حيث تُقاس الكلمات بميزان الأمن القومي، وتُحسب الصورة بتوقيت الميدان، فكان من القلائل الذين جمعوا بين الخبرة الأمنية والقدرة على صياغة خطاب متوازن في زمن استثنائي، تاركًا إرثًا مهنيًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة الدولة والإعلام الأمني العراقي.
















