وكالة حرية | الجمعة 11 تموز 2025
في ظلّ تزايد النزعة الحمائية في السياسة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وجّه محافظ البنك المركزي الفرنسي، فرانسوا فيليروي دي غالهاو، دعوة جريئة لإحياء المشروع الأوروبي، داعياً بروكسل إلى مُغادرة “العش”، وأن ينطلق الاتحاد الأوروبي بمُفرده بثقة، تماماً كما فعل عند إطلاق اليورو قبل ربع قرن، مؤكداً رؤيته حول “القوة غير المتوقعة لأوروبا”.
وخلال حوار اقتصادي نُظّم مؤخراً في فرنسا حول مفهوم السيادة الأوروبية، ارتدى دي غالهاو قبعة خضراء كتب عليها “اجعل أوروبا عظيمة مرة أخرى”، في إشارة إلى شعار ترامب الشهير “اجعل أمريكا عظيمة مُجدّداً”. وقال مُبتسماً “الأمر يتعلّق بوضع أوروبا في الصدارة”، في تعبير رمزي عن ضرورة تحرّر القارة العجوز من التبعية الاقتصادية.
شعار يتصاعد في الخطاب السياسي
هذا الموقف ينسجم مع دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الرسمية الأخيرة إلى المملكة المتحدة، حيث شدّد أمام البرلمانيين البريطانيين على أهمية الاستقلال الاقتصادي لأوروبا، بعيداً عمّا أسماه الهيمنة الأمريكية أو الصينية، مؤكداً على تعزيز التعاون الصناعي والدفاعي بين دول القارة.
كما سبق أن دعا أوروبا إلى استعادة طعم الطموح والمُخاطرة، وتقوية قُدرتها على القيادة العالمية، مُستلهماً رؤية شارل ديغول من خلال تأكيد استراتيجية بروكسل الذاتية في مواجهة انكفاء أمريكي مُحتمل.
كما وتتجلّى روح شعار “اجعل أوروبا عظيمة مرّة أخرى” في عدّة طبقات من الخطاب الفرنسي، من الرمز الرمزي (القبعة) إلى دعوات عملية للحرص على السيادة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية. فالخطاب ليس مُجرّد شعار بل دعوة لتعزيز الذاتية الأوروبية كاملة، من النقدية إلى المالية ومن الدفاع إلى التكنولوجيا.
حتى مارين لوبان زعيمة حزب التجمّع الوطني اليميني، ورغم أنّها لم تُعلن عن دعم هذا الشعار الجديد بنفس الصياغة، إلا أنّها عبّرت بوضوح عن هدف مُماثل هو “استيقاظ أوروبا”، وفي ذات الوقت الدعوة لاستعادة السيادة الوطنية داخل الاتحاد الأوروبي.
تحدّيات أوروبا
تُواجه أوروبا تحدّيات مُتزايدة مع تصاعد الخلافات التجارية مع واشنطن. ففي ظلّ تهديدات أمريكية بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 50% على قطاعات أوروبية استراتيجية مثل الزراعة وصناعة السيارات، يجد الأوروبيون أنفسهم مُجبرين على مُراجعة أوضاعهم الاقتصادية. فالاتحاد الأوروبي لا يزال متأخراً في ميادين التكنولوجيا الرقمية والصناعات المُتقدّمة، مُقارنة بالولايات المتحدة والصين.
ورغم بعض المبادرات الطموحة، لا تزال الصناعات الاستراتيجية الأوروبية تعتمد على دول خارجية، خاصة في مجالات المواد الخام وأشباه الموصلات. كما تُعاني السياسات الصناعية في الاتحاد الأوروبي من ضعف التنسيق بين دوله الـ27، ما يُعيق تقدّمها بشكل جماعي.
وفي هذا السياق، يرى محافظ بنك فرنسا أنّ ولاية ترامب الرئاسية الثانية يجب أن تكون بمثابة ناقوس خطر للأوروبيين، حيث يقول “صحيح أنّ سياسات ترامب تضر بالاقتصادات العالمية، لكنّه يوقظنا. يجب أن ننقل ما حققناه من سيادة نقدية مع اليورو إلى سيادة اقتصادية ومالية كاملة”.
اليورو… قصة نجاح سياسي
تُشير الكاتبة والمحللة الاقتصادية الفرنسية باربرا أزايس في مجلة “لو بوان” إلى أنّ اليورو يُعدّ قصة نجاح سياسي. فبينما لم يكن يؤيده سوى 51% من الفرنسيين عام 1992، باتت نسبة التأييد تصل اليوم إلى 79% في فرنسا و83% على مستوى أوروبا.
ولم يُخفِ دي غالهاو، المُؤيّد لبروكسل والأوروبي حتى النخاع، حماسته، لا سيّما في الدعوة إلى تكامل أفضل لسوق رأس المال في أوروبا، التي تظل مُجزّأة ومتأخرة بشكل يختلف من بلد لآخر خاصة عند مواجهة الولايات المتحدة. لذا فهو يُوضح “كل ما يُمكننا القيام به لتعزيز سوقنا المالية الداخلية، تعزيز وتوحيد الادخار والاستثمار، وهو ما سوف يُساهم أيضاً في الجذب الاقتصادي الخارجي، لأنّه كلما كانت أوروبا المالية مُتكاملة أكثر، كلما جاء المزيد من رأس المال الخارجي”.
قبعة… ورسالة سياسية!
جاءت فكرة القبعة الخضراء التي كُتب عليها “اجعل أوروبا عظيمة مرّة أخرى” وارتداها قبل أيّام محافظ بنك فرنسا، من رجل الأعمال والمُستثمر أندريه لوسيكروج-بييتري، ضمن ما أسماه “حركة لاستعادة طموح أوروبا”. وقد ارتدى هذه القبعة لأوّل مرّة في منتدى دافوس يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تزامناً مع تنصيب ترامب، وقال حينها “أردت استفزازاً رمزياً.. أردت أن يسمعنا العالم”، مُجدداً تأكيده على أنّ “أوروبا تمتلك الأسلحة اللازمة لمُحاربة الولايات المتحدة والصين”.
وأوضح أنّ اللون الأخضر يُشير إلى اختلاف الرؤية “فهذه ليست نسخة أوروبية من شعار ترامب، بل دعوة جادة للأوروبيين للتعبير عن طموحاتهم دون ترك المجال للأصوات الشعبوية”. مُضيفاً “اليوم، يجب ألا يكون الطموح حكراً على الشعارات المُتطرّفة… هناك غالبية وسطية تُؤمن بالتقدّم، ويجب أن تستعيد روح المُبادرة”.
في تقرير لها تحت عنوان “ترامب يجعل أوروبا عظيمة مرة أخرى”، قالت صحيفة “فايننشال تايمز” إنّ الرئيس الأمريكي قدّم أكبر حافز نحو التكامل الأوروبي منذ نهاية الحرب الباردة، وهو إن لم يفز بجائزة نوبل للسلام، إلا أنّه سيكون مُرشّحاً قويّاً لجائزة شارلمان، التي تُمنح سنوياً للشخص الذي قدّم أكبر مُساهمة في تعزيز الوحدة الأوروبية.







