وكالة حرية | الاحد 17 آب 2025
أحمد الحمداني
بعد أكثر من عشرين عاماً على دخول القوات الأمريكية إلى العراق، يتهيأ المشهد السياسي والأمني لمرحلة جديدة مع إعلان بدء الانسحاب من العاصمة بغداد في أيلول/سبتمبر المقبل هذه خطوة تحمل في طياتها الكثير من الأسئلة هل انتهت الحاجة للوجود الأمريكي؟ وهل تستطيع القوات العراقية وحدها مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة؟
في آذار/مارس 2003 دخلت القوات الأمريكية العراق تحت شعار “إسقاط النظام” و”تخليص العالم من أسلحة الدمار الشامل”و سرعان ما انهار النظام، لكن الفوضى التي أعقبت الاحتلال فتحت الباب أمام مقاومة مسلحة عنيفة وحرب أهلية مدمرة.
ومع توقيع “اتفاقية وضع القوات” عام 2008، التزمت واشنطن بالانسحاب الكامل بحلول نهاية 2011، وهو ما جرى بالفعل، لتُطوى صفحة الاحتلال المباشر دون أن تُطوى صفحة النفوذ والتأثير.
لم يطل غياب القوات الأمريكية، فمع اجتياح تنظيم داعش لثلث مساحة العراق عام 2014، عادت واشنطن إلى الواجهة تحت شعار “التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب”.
عاد الجنود والمستشارون وتمركزوا في قواعد كبرى مثل عين الأسد وأربيل ومطار بغداد، وكانت الطائرات الأمريكية الغطاء الأساسي لمعظم المعارك. لكن العودة فتحت نقاشاً جديداً حول السيادة: هل هو دعم مشروع أم احتلال بوجه آخر؟
في عام 2021، اتفقت بغداد وواشنطن على إنهاء “المهام القتالية” والاكتفاء بوجود “استشاري تدريبي”لكن الواقع لم يبدُ مختلفاً كثيراً بالنسبة لخصوم الوجود الأمريكي الذين رأوا أن الجنود باقون بأسماء جديدة، فيما أصر المؤيدون على أن بقاء أمريكا ضمانة لتوازن القوى ومنع عودة الإرهاب.
واليوم، تؤكد تقارير رسمية وإعلامية أن القوات الأمريكية ستغادر بغداد وقاعدة عين الأسد ومطار العاصمة باتجاه أربيل في أيلول المقبل. ووفقاً للاتفاق، ستبقى هذه القوات في شمال العراق حتى أيلول/سبتمبر 2026، بينما يواصل المدربون والمستشارون العسكريون عملهم داخل البلاد.
الانسحاب إلى أربيل ليس مجرد صدفة جغرافية، بل هو نتاج حسابات سياسية وأمنية معقدة:
•إقليم كردستان يرتبط بعلاقات تاريخية متينة مع الولايات المتحدة، التي دعمته منذ التسعينات وحمته عبر فرض “منطقة حظر الطيران” عقب حرب الخليج.
•أربيل تُعد اليوم أكثر استقراراً وأمناً مقارنة ببغداد والمناطق الغربية والجنوبية، ما يجعلها قاعدة مثالية للوجود الأمريكي المؤقت.
•الكرد حافظوا على علاقات متوازنة مع الجميع: واشنطن حليف استراتيجي، طهران جار مؤثر، وأنقرة شريك اقتصادي وعسكري بحكم الجغرافيا. هذه القدرة على إدارة التوازنات جعلت من الإقليم “الملاذ الآمن” لكل القوى الدولية.
منذ عام 1991، شكّلت أربيل والسليمانية مناطق شبه محمية دولياً و طائرات التحالف كانت تمنع النظام العراقي السابق من دخولها، والقوى الكردية عززت وجودها الأمني والسياسي بدعم أمريكي وغربي.
خلال معارك داعش، تحولت أربيل إلى غرفة عمليات مشتركة بين قوات البيشمركة، التحالف الدولي، والمخابرات العراقية. وحين سقطت الموصل عام 2014، لم تسقط أربيل ولا السليمانية، بل أصبحت خطوط الدفاع الأمامية عن العراق بأسره.
هذه الخصوصية جعلت القوى الدولية حريصة على حماية الإقليم، ليس فقط لمكانته السياسية، بل أيضاً لموقعه الجغرافي كجسر بين العراق وتركيا وإيران وسوريا.
انقسام سياسي في بغداد
•القوى الشيعية المناهضة لواشنطن ترى أن الانسحاب جاء متأخراً وتطالب بخروج كامل لا يستثني أربيل ولا المستشارين.
•القوى الكردية وبعض الأطراف السنية تعتبر أن بقاء القوات الأمريكية حاجة استراتيجية لموازنة النفوذ الإيراني وضمان الاستقرار الأمني.
•الحكومة العراقية تحاول الموازنة بين هذه التوجهات، مع الحفاظ على الشراكات الأمنية والدبلوماسية.
الجيش العراقي وأجهزة مكافحة الإرهاب أكثر تدريباً وتسليحاً مما كانت عليه قبل سنوات، لكن التحديات مستمرة:
•خلايا داعش النائمة.
•انتشار السلاح خارج سلطة الدولة.
•التدخلات الإقليمية المتشابكة.
ورغم ذلك، يؤكد مسؤولون أن القوات العراقية قادرة على الإمساك بزمام الأمن الداخلي إذا ما حصلت على دعم تقني ولوجستي مستمر.
الانسحاب الأمريكي من بغداد نحو أربيل محطة مفصلية في تاريخ العراق الحديث لكنه ليس نهاية الحكاية، بل فصل جديد في جدلية النفوذ والسيادة.
فبين من يراه “استعادة للسيادة” ومن يعتبره “إعادة تموضع”، يبقى السؤال الأبرز هل سينجح العراق أخيراً في الاعتماد على نفسه وبناء أمنه بعيداً عن الملاذات الآمنة والحمايات الدولية؟







