وكالة حرية – 10 شباط 2026
لم تعد استقالة السفيرة النروجية مونا يول حدثاً معزولاً في سجل الفضائح الشخصية، بل باتت حلقة جديدة في سلسلة وقائع تُسهم في تقويض ما تبقى من ثقة إقليمية بالوساطات الغربية التي أدارت أخطر ملفات الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
من “الوسيط النزيه” إلى شبكة العلاقات الرمادية
لطالما سوّقت الدول الغربية، وفي مقدمتها النروج، نفسها كوسطاء “محايدين” قادرين على إدارة الصراعات بعيداً عن الاستقطاب. غير أن الكشف عن صلات محتملة بين شخصيات محورية في مفاوضات أوسلو وممول أميركي مدان بجرائم جنسية، يعيد طرح سؤال جوهري:
إلى أي مدى كانت تلك الوساطات معزولة فعلاً عن شبكات المال والنفوذ غير الرسمية؟
هذا السؤال لا يُطرح اليوم من باب التشكيك التاريخي فقط، بل لأن نتائجه ما زالت حاضرة في واقع سياسي مأزوم لم تُنتج فيه تلك الوساطات سلاماً دائماً أو توازناً عادلاً.
أوسلو كنقطة تحوّل سلبية في الوعي الإقليمي
في الوعي السياسي العربي والفلسطيني، لم تعد اتفاقات أوسلو تُستذكر بوصفها فرصة ضائعة فحسب، بل باعتبارها بداية مسار اختل فيه ميزان الوساطة الدولية لمصلحة إسرائيل، تحت رعاية غربية ادّعت الحياد بينما مارست، عملياً، إدارة صراع لا حله.
ومن هنا، فإن اهتزاز صورة أحد مهندسي ذلك المسار يعزز قناعة راسخة في المنطقة مفادها أن:
“الوسيط الغربي لم يكن محايداً، بل جزءاً من منظومة مصالح أوسع.”
المال، الأخلاق، والقرار السياسي
توريث مبالغ مالية ضخمة لعائلة شخصيات دبلوماسية لعبت أدواراً حساسة في الشرق الأوسط يسلّط الضوء على غياب خطوط فاصلة واضحة بين الدبلوماسية الرسمية والعلاقات الخاصة، وهو ما يقوّض الثقة ليس فقط بالأشخاص، بل بالمنهج الغربي في إدارة النزاعات.
في منطقة أنهكتها التجارب الفاشلة، يُنظر إلى مثل هذه القضايا باعتبارها دليلاً إضافياً على أن:
مسارات التفاوض كانت تُدار خلف أبواب مغلقة
دون رقابة حقيقية
وبمعايير أخلاقية فضفاضة
انعكاسات على الحاضر الإقليمي
تأتي هذه التطورات في وقت تتراجع فيه قدرة الغرب على لعب دور الوسيط المقبول في ملفات ساخنة مثل:
الحرب في غزة
الملف الإيراني
الصراعات في سوريا ولبنان
حيث تتجه أطراف إقليمية متزايدة إلى رفض أي رعاية غربية حصرية، والبحث عن بدائل متعددة الأقطاب (روسيا، الصين، أطر إقليمية).
خلاصة استراتيجية
قضية مونا يول لا تُدين شخصاً بعينه بقدر ما تكشف:
هشاشة سردية “الوسيط النزيه”
وعمق أزمة الثقة بين الشرق الأوسط والمؤسسات الغربية
وفشل نموذج الوساطة الذي تجاهل اختلالات القوة والعدالة
وهي تؤكد أن أي وساطة مستقبلية في المنطقة لن تكون قابلة للحياة ما لم:
تُعاد صياغتها بمعايير شفافية ومساءلة صارمة
ويُكسر احتكار الغرب لمسارات التفاوض
ويُعترف صراحة بإخفاقات الماضي، وعلى رأسها إرث أوسلو







