وكالة حرية | الخميس 6 تشرين الثاني 2025
أمينة خيري
في كل مرة يفوز مسلم بمنصب سياسي رفيع في الغرب، أو تحظى مسلمة محجبة بمقعد في برلمان دولة غربية، أو يصعد مسلم سلم المجد الاقتصادي أو العلمي والتجاري خارج حدود الدول الإسلامية، أو يبزغ نجم مسلمة في عالم البزنس أو الفن أو الإعلام في العالم “غير المسلم” يركض العالم الإسلامي فرحاً طرباً بهذا الانتصار أو ذاك الإنجاز.
“أول مسلمة محجبة في البرلمان الأسترالي” و”أول مسلمة ترأس وزارة الداخلية البريطانية” و”أول محجبة في البرلمان السويدي” و”أول مسلم يتولى منصب عمدة لندن” و”أول وزيرة عدل فرنسية مسلمة” و”أول مسلم يتولى رئاسة تحرير مجلة هارفرد القانونية”، و”أول عمدة مسلم لنيويورك”.
كل ما سبق في كفة، و”أول مسلم يفوز بمنصب عمدة نيويورك” في كفة أخرى.
أول مسلم
صعود أول مسلم هنا، أو تفوق أول مسلمة هناك ظل على مدار أعوام ساحة انتصار لكثر في دول عربية وإسلامية، ومسألة تراوح ما بين عدم الاكتراث لأن الخبرة والأداء هما الحاكمان من جهة، أو التخوف من صعود إسلامي في مواجهة الحضارة أو الثقافة أو المجتمعات الغربية من جهة أخرى. وعلى مدار عقود، ظل هذا الدق على أوتار ديانة الصاعد في الغرب تحتفظ بترتيب عالمي منخفض على سلم أولويات السياسات وترتيب اهتمامات الناخبين في المجتمعات الغربية، إذ الدفع بمرشح أو الإطاحة به كانا محكومين إلى حد كبير بالأداء.
هذه المرة، صعود “المسلم” زهران ممداني لمنصب عمدة نيويورك مذاقه مختلف تماماً. المذاق تطغى عليه خانة الديانة، وتتحكم فيه التوجهات السائدة في دوائر الحكم، ويطغى عليها ما لا يمكن رؤيته بالعين المجردة بين الرأي العام، وجماعات الضغط، والقوى السياسية والعمرية والاجتماعية الصاعد نجمها في غفلة من الأحداث السياسية والاقتصادية الدامية المهيمنة على الكوكب.
تحدي الحروب
في تحد صارخ لحروب تعصف بمناطق عدة من غزة إلى السودان ومنه إلى أوكرانيا، وعلى رغم أنف تهديدات مفاجئة صوبها الرئيس دونالد ترمب صوب نيجيريا لـ”إنقاذ” مسيحييها، وبينما سائر الولايات المتحدة تتجرع مرارة الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ أميركا كاسراً حاجز الـ36 يوماً، توجهت أنظار العالم أجمع صوب الانتصار التاريخي دون مبالغة لأول وأصغر عمدة مسلم لمدينة نيويورك، ذات التركيبة السكانية بالغة التعقيد.
نصف سكان المدينة تقريباً مسيحيون ينتمون لطوائف متعددة، لكنها أيضاً المدينة التي يعيش فيها نحو 23 في المئة من مسلمي أميركا. وهي أيضاً المدينة المعروفة بسكانها من اليهود، والذين يمثلون نحو 12 في المئة من يهود أميركا، العدد الأكبر لتجمع اليهود في العالم خارج إسرائيل.

دعا سكان نيويورك إلى وضع ثقتهم فيه وفي مؤسسات المدينة
حين تفرز هذه التركيبة العقائدية المركبة، في ظل الأوضاع المربكة سياسياً ودينياً في العالم، وبينما البيت الأبيض يهيمن عليه خطاب ذو نزعة دينية مسيحية، وخلال وقت يشهد فيه الصراع العربي – الإسرائيلي تحولاً جذرياً تطغى عليه نكهة دينية، عمدة “مسلم” اتخذ من انتمائه الديني عنصراً فعالاً في حملته الانتخابية، وعاملاً محدداً لخطابه التسويقي، فهذا يعني أن صعود “مسلم” هذه المرة لمنصب هو ثاني أخطر وأصعب منصب سياسي في أميركا يعني كثيراً، وسيؤدي إلى كثير أيضاً.
تركيبة “الموبقات”
عمدة نيويورك المسلم الأول والأصغر سناً (24 سنة) لم يطرح نفسه في الانتخابات كمسلم متلزم، أو مسلم شيعي، أو مسلم سني، أو مسلم حداثي، طرح نفسه كمسلم اشتراكي ديمقراطي من أصول آسيوية ونشأة أفريقية، وعائلة من المهاجرين.
ممداني بهذه التركيبة يحمل كل “الموبقات” التي لا يناصبها الرئيس ترمب المودة أو التقارب أو التلاطف، باستثناءات سياسية تتعلق بمصالح أو توازنات. والجميع يذكر القرار التنفيذي الذي أصدره الرئيس ترمب خلال فترته الرئاسية الأولى، وتحديداً عام 2017، والذي نص على منع إصدار تأشيرات لمواطني سبع دول إسلامية، واصفاً القرار بـ”منع دخول إرهابيي الإسلام المتطرف”، وهو ما عده حقوقيون غربيون في ذلك الوقت تمييزاً ضد المسلمين.
ونص القرار المعنون بـ”حماية الأمة من دخول إرهابيين أجانب إلى الولايات المتحدة الأميركية”، على تعليق برنامج دخول اللاجئين بالكامل أربعة أشهر في الأقل، حتى يتخذ إجراءات تدقيق جديدة أكثر صرامة، إضافة إلى منع اللاجئين السوريين تحديداً من دخول أميركا إلى أجل غير مسمى، أو إلى أن يقرر هو أنهم لم يعودوا يشكلون أي خطر، مستثنياً بذلك “الأقليات الدينية”، أي المسيحيين السوريين.
حملة الرئيس ضد ممداني
وعلى رغم أن الرئيس ترمب لم يمعن في اتخاذ قرارات قد توصف أو تُصنف باعتبارها معادية للإسلام أو متشككة في المسلمين بصورة مباشرة خلال فترته الرئاسية الحالية، باستثناء اهتمامه الأخير والمفاجئ بمسيحيي نيجيريا، متحدثاً غير مرة عن احتمال تدخل عسكري أميركي للرد على “عمليات قتل تستهدف المسيحيين” هناك، إلا أن حملة الرئيس الأميركي ضد ممداني منذ سطوع نجمه تقول كثيراً.
بدءاً بتهديد ترمب خلال يوليو (تموز) الماضي باعتقال ممداني إذا لم يسمح لمسؤولي الهجرة الفيدراليين باعتقال المهاجرين غير الشرعيين في المدينة، ووصفه له بـ”الشيوعي” و”الفظيع” و”سيئ السمعة” و”مجنون تماماً”، مروراً بالتهديد بحجب التمويل الفيدرالي عن المدينة حال فوزه بالمنصب، وانتهاء بتأكيد الرئيس على أن ممداني “سيواجه مشكلات مع واشنطن لم يشهدها أي عمدة في تاريخ مدينتنا العظيمة سابقاً”، وتهيمن على الحلبة معارك ذات نكهة عقائدية، جنباً إلى جنب مع التوجهات الأيديولوجية المتصارعة، والسياسية المتناقضة، والحزبية المتنافسة.
غزوة المعتقد
بمعنى آخر، التحول الكبير الذي ستشهده مدينة نيويورك بهذا الفوز، لا يخلو من مكون عقائدي سيكشف عن نفسه خلال الأيام القليلة المقبلة.
ممداني، من جهته، لم يفعل كآخرين ممن سبقوه في منظومة “أول مسلم” و”أول محجبة”، ومعظمهم لم يدق على أوتار المعتقد عامدين متعمدين الحفاظ على مبدأ May the best man or woman win فليفز أفضل رجل أو امرأة، بناءً على الخبرة والاحترافية والذكاء والقدرة على القيام بمهام المنصب. ممداني دق على كل ما سبق، لكن خلال الوقت نفسه، شن “غزوة المعتقد”.







