وكالة حرية | الاربعاء 22 تشرين الاول 2025
رغــــد زيـــــد
يُعدّ قطاع المقاولات في العراق واحدًا من أهم ركائز الاقتصاد الوطني، إذ يمثل المحرك الأساس لعمليات الإعمار والتنمية والبنية التحتية في مختلف المحافظات. غير أن هذا القطاع الحيوي يعيش اليوم إحدى أصعب مراحله، وسط أزمة مالية خانقة ووعود حكومية لم تُنفَّذ بعد، ما يهدد بانهيار مئات الشركات المحلية وتوقف آلاف المشاريع.
ديون متراكمة ووعود مؤجلة
على مدى السنوات الماضية، ظل المقاولون العراقيون يترقبون تنفيذ الوعود الحكومية بتسديد مستحقاتهم المالية المتأخرة، التي تتجاوز – وفق تقديرات اتحاد المقاولين العراقيين – نحو أربعة تريليونات دينار. ورغم إعلان الحكومة عن خطط لتدقيق المطالبات وجدولتها، إلا أن التنفيذ ما زال بطيئًا، ما جعل الأزمة تتفاقم عامًا بعد آخر.
ويؤكد المقاولون أن تأخر صرف المستحقات أجبر العديد من الشركات على التوقف عن العمل وتسريح العمال وإيقاف المعدات في مواقع المشاريع.
مشاريع متوقفة واقتصاد متعثر
تسببت الأزمة الراهنة في توقف مئات المشاريع الخدمية في مختلف المحافظات العراقية، من بينها مشاريع الطرق والمجاري والمدارس والمستشفيات، ما أدى إلى تعطّل عجلة الإعمار وتراجع الخدمات في عدد من القطاعات الحيوية.
ووفق بيانات رسمية، فإن أكثر من 35% من المشاريع المتلكئة في العراق ترتبط مباشرة بملفات مالية عالقة تخص شركات المقاولات المحلية، الأمر الذي أضعف قدرة هذه الشركات على الاستمرار في العمل وأدى إلى توقف بعضها نهائيًا.
ويشير المقاولون إلى أنهم أنجزوا نسبًا كبيرة من المشاريع المكلّفين بها، إلا أن تأخر صرف المستحقات المالية منذ أكثر من عامين أجبرهم على التوقف، وبيع المعدات، وتسريح أعداد كبيرة من العمال لتغطية التزاماتهم المالية.
هذا التوقف لا يمثل خسارة اقتصادية للمقاولين فحسب، بل ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، إذ تُترك المشاريع الخدمية دون إكمال، وتتراجع فرص العمل لعشرات الآلاف من المهندسين والفنيين والعمال.
وفي مشهد متكرر في أغلب المحافظات، يمكن ملاحظة مواقع مشاريع متوقفة أو متباطئة التنفيذ، فيما ينتظر المقاولون حلولًا واقعية تُعيد الحياة إلى قطاع يشكّل رافعة أساسية للاقتصاد الوطني ويسهم في تحريك قطاعات أخرى مثل النقل ومواد البناء والخدمات اللوجستية.
اتحاد المقاولين العراقيين يواجه تحديات حادة
يعيش اتحاد المقاولين العراقيين حالة من الضغوط والمعاناة المتراكمة نتيجة سلسلة من التحديات الإدارية والمالية والتشريعية التي انعكست سلبًا على أداء الشركات المحلية وعلى مستقبل قطاع الإعمار والبنى التحتية في البلاد.
تراكم الديون وتأخر المستحقات
يعاني غالبية المقاولين من تأخر صرف مستحقاتهم المالية من قبل الوزارات والجهات الحكومية، رغم إنجازهم المشاريع الموكلة إليهم ضمن العقود الرسمية. ويشير الاتحاد إلى أن الديون المتراكمة تتجاوز مليارات الدنانير، ما أدى إلى توقف العديد من الشركات عن العمل، وتسريح آلاف العمال، ودخول بعضها في نزاعات قضائية مع الجهات المتعاقدة.
ويؤكد المقاولون أن غياب آلية واضحة لتسوية الديون والبيروقراطية في الدوائر المالية تسببت في شلل حقيقي للقطاع، خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
غياب البيئة القانونية الداعمة
يرى الاتحاد أن التشريعات الحالية لا تواكب حجم التحديات الاقتصادية، إذ لم يتم تعديل قوانين العقود والمناقصات منذ سنوات، ما يترك المقاول عرضة لتقلب الأسعار وتغير الظروف الطارئة دون وجود بنود تعويضية منصفة. كما ينتقد الاتحاد ضعف تطبيق قانون التوازن في العقود الحكومية، الذي يُفترض أن يحمي المقاول من الخسائر الناتجة عن التضخم وارتفاع أسعار المواد الإنشائية والطاقة والنقل.
الإقصاء من المشاريع الكبرى
رغم الخبرات الكبيرة التي تمتلكها الشركات العراقية، إلا أن العديد من المشاريع الاستثمارية والاستراتيجية الكبرى تُحال إلى شركات أجنبية، في ظل تهميش واضح لدور المقاول المحلي. ويؤكد الاتحاد أن هذا النهج “يُضعف الاقتصاد الوطني” ويحرم آلاف الكوادر العراقية من فرص العمل، داعياً إلى تفعيل مبدأ الشراكة بين الشركات المحلية والأجنبية في تنفيذ المشاريع الكبرى.
ارتفاع الكلف التشغيلية وصعوبات التمويل
يواجه المقاولون العراقيون تحديات حادة في توفير التمويل اللازم للمشاريع، نتيجة القيود المصرفية وضعف دعم المصارف الحكومية والخاصة، فضلاً عن ارتفاع أسعار الفائدة والضرائب والرسوم الجمركية على المواد المستوردة. كما أدى تذبذب سعر صرف الدينار إلى تفاقم خسائر الشركات التي أبرمت عقودها بأسعار ثابتة قبل ارتفاع الكلف التشغيلية.
مطالب الاتحاد
دعا اتحاد المقاولين العراقيين الحكومة والبرلمان إلى جملة من الإجراءات العاجلة لإنقاذ القطاع، أبرزها:
- تسديد المستحقات المالية المتأخرة فورًا لجميع المشاريع المنجزة.
- تعديل القوانين والأنظمة الخاصة بالعقود الحكومية بما يضمن العدالة للطرفين.
- تفعيل صندوق دعم المقاولين لمعالجة آثار التضخم وتغير الأسعار.
- إشراك الشركات المحلية في المشاريع الكبرى ضمن نسب محددة لضمان نقل الخبرة وتحقيق التنمية المستدامة.
- تسهيل منح القروض والتسهيلات المصرفية بضمان العقود الحكومية المنجزة.
تحذير من انهيار قطاع حيوي
يحذّر الاتحاد من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يؤدي إلى انهيار أحد أهم القطاعات الاقتصادية في العراق، الذي يُعد ركيزة أساسية في تشغيل الأيدي العاملة وتحريك الأسواق المحلية. وأكد أن إحياء قطاع المقاولات يعني تنشيط مئات الأنشطة المرتبطة به مثل النقل، والمواد الإنشائية، والخدمات اللوجستية، ما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية.
بيروقراطية وتحديات هيكلية
يرى مختصون أن الأزمة التي يواجهها قطاع المقاولات في العراق لا تقتصر على الجانب المالي فحسب، بل تمتد إلى خلل إداري وهيكلي داخل منظومة التعاقدات الحكومية.
الطريق إلى الإنقاذ
تتزايد المطالبات في الأوساط الاقتصادية والمهنية بضرورة إنشاء صندوق وطني خاص لتسديد مستحقات المقاولين، أو اعتماد آلية تمويل مرحلية تضمن استمرار تنفيذ المشاريع دون توقف.
كما يدعو المقاولون إلى تفعيل قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص باعتباره أحد الحلول الواقعية القادرة على تحقيق التنمية المستدامة وتخفيف العبء عن الموازنة العامة، مع ضرورة تفعيل الرقابة المالية على الجهات المنفذة لضمان الشفافية في صرف المستحقات.
من جانبها، تؤكد وزارة المالية أن الحكومة تعمل على تسوية الديون المتراكمة وفق خطة تدريجية تتناسب مع الإمكانات المالية، مشيرة إلى وجود توجيهات من رئيس الوزراء بضرورة البدء بتسوية الملفات الأقدم أولًا، ووضع آلية إلكترونية للمتابعة والمراقبة منعًا للتأخير والازدواجية.
وفي الختام
تبقى الفجوة واسعة بين الوعود الحكومية والواقع الميداني، فيما يواصل المقاول العراقي معركته اليومية للبقاء وسط أزمات التمويل والبيروقراطية وتراكم الديون.
لقد تحوّل قطاع المقاولات، الذي يُعدّ أحد أعمدة التنمية الوطنية، إلى ساحة تختبر فيها الدولة قدرتها على تنفيذ التزاماتها تجاه القطاع الخاص وضمان استمرارية المشاريع.
إن تأخر صرف المستحقات وتراكم الديون يهددان آلاف الشركات المحلية بالإفلاس، ويقيدان حركة الإعمار التي ينتظرها المواطن في مختلف المحافظات. فالمشكلة لم تعد مالية فحسب، بل هي انعكاس لمنظومة إدارية واقتصادية تحتاج إلى إصلاح شامل.
إن إنقاذ هذا القطاع لا يعني فقط حماية الشركات والمقاولين، بل هو استثمار في مستقبل الإعمار والتنمية في العراق. فبدون دعم المقاول المحلي وتمكينه، ستبقى مشاريع الدولة حبرًا على ورق، وستتعطل عجلة البناء قبل أن تكتمل دورتها.







