حرية | الثلاثاء 17 شباط 2026
تُظهر وقائع تاريخية متعددة أن استخدام السموم في الاغتيالات السياسية لم يكن مجرد خيار عابر، بل أسلوباً استخبارياً ارتبط بثقافة وأدوات أجهزة الأمن الروسية منذ الحقبة السوفياتية، واستمر حضوره – بدرجات متفاوتة – في الزمن المعاصر. ويمكن تفسير هذا النهج من خلال مجموعة عوامل متداخلة:
1. إرث تاريخي مؤسسي
يعود استخدام السموم إلى بدايات الاتحاد السوفياتي، حيث أنشأ جهاز الأمن السوفياتي مختبرات متخصصة لتطوير مواد سامة يصعب كشفها. هذه البنية المؤسسية استمرت عبر الأجهزة اللاحقة مثل الكي جي بي، وصولاً إلى الأجهزة الأمنية الحديثة، ما جعل السم أداة راسخة ضمن ترسانة العمل السري.
2. صعوبة الكشف والإثبات
السموم، خصوصاً العصبية أو الإشعاعية، يمكن أن تُحدث الوفاة بطريقة تبدو طبيعية أو غامضة طبياً، ما يعقّد عملية التحقيق الجنائي ويجعل إثبات المسؤولية أمراً صعباً. وهذا يمنح الجهة المنفذة هامش إنكار واسع ويقلل من كلفة التبعات السياسية.
3. “البصمة الاستخبارية” المقصودة
في بعض الحالات، لا يكون الهدف إخفاء الجريمة بالكامل، بل ترك “توقيع” يُفهم ضمنياً. استخدام مواد معروفة بارتباطها ببرامج روسية مثل “نوفيتشوك” أو مواد نادرة يبعث رسالة مفادها أن الدولة قادرة على الوصول إلى خصومها أينما كانوا.
4. الردع والترهيب النفسي
السم يُعد من أكثر وسائل القتل إثارة للخوف، لأنه غير مرئي وقد يُستخدم في الحياة اليومية (طعام، شراب، ملامسة). لذلك فإن استخدامه لا يستهدف الضحية فقط، بل يرسل رسالة ردع إلى المعارضين الآخرين بأنهم عرضة للاستهداف في أي وقت وبأي وسيلة.
5. ملاءمته للعمليات السرية خارج الحدود
في العمليات الخارجية، يُعد السم خياراً عملياً لأنه لا يحتاج إلى أسلحة تقليدية أو اشتباك مباشر، ويمكن تنفيذه بهدوء داخل بيئات مدنية، ما يقلل من احتمالات التصعيد العسكري أو الأمني.
6. التأثير الإعلامي والسياسي
حالات التسميم غالباً ما تثير اهتماماً دولياً واسعاً، ما يخلق حالة من الجدل والضغط السياسي. وفي بعض التحليلات، يُنظر إلى ذلك كجزء من “حرب نفسية” تُظهر قدرة الدولة على تنفيذ عمليات معقدة ومفاجئة.
7. استمرارية العقيدة الأمنية
رغم تغير الأنظمة، تشير تحليلات خبراء إلى أن بعض أدوات وأساليب العمل الاستخباري بقيت مستمرة عبر العقود، مع تطويرها تقنياً. وهذا يعكس استمرارية في التفكير الأمني أكثر من كونه ظاهرة ظرفية.
خلاصة
استخدام السم في الاغتيالات ليس مجرد وسيلة قتل، بل أداة متعددة الأبعاد تجمع بين السرية والإنكار والردع النفسي والرسائل السياسية. ولهذا السبب استمر حضوره في بعض العمليات المنسوبة إلى أجهزة الاستخبارات الروسية، سواء بهدف الإخفاء أو – على العكس – بهدف إظهار القوة وإثارة الخوف.







