حرية – (18/4/2023)
أعاد توقيف جهاز أمن ليبي مسيحيين بينهم أميركي، بتهمة “التبشير”، إحياء الجدل بشأن الحريات الدينية، ومصير الأقليات في بلد تعمه الفوضى منذ “ثورة 17 فبراير” عام 2011.
تقلصت أعداد المسيحيين في ليبيا، خلال العقد الأخير، إلى بضعة آلاف، أغلبهم من الجاليات الأفريقية والمصريين، بفعل ملاحقتهم من الجماعات الراديكالية، والتي وصلت إلى حوادث قتل وتصفية، ومن جهة أخرى بسبب القيود التي باتت تفرضها السلطات الرسمية على ممارسة شعائرهم الدينية، رغم الانفتاح الظاهري بإعادة تأهيل كنائس تاريخية دمرتها الحرب.
وأعلن جهاز الأمن الداخلي، الأسبوع الماضي، اعتقال بعض الأشخاص، أحدهم أجنبي، عُرف بعدها أنه أميركي الجنسية، ووجهت إليهم اتهامات تتعلق بـ”ممارسة أنشطة تبشيرية”، وما وصفه الجهاز بـ”جريمة الردة”، وذلك قبل أن ينشُر الجهاز فيديو لجزء من اعترافات الأميركي الموقوف، واعترافات أخرى لفتاة ليبية (22 عاماً)، قال الجهاز إنه ضبطها بسبب ارتدادها عن الإسلام واعتناق المسيحية.
“جماعة الله”
ودافع الجهاز عن عملية الاعتقال في بيان، اعتبر فيه أن التوقيف هو “ممارسة لاختصاصاته وحرصه على الحفاظ على القيم الإسلامية”. وأشار إلى “تورط قساوسة ووعاظ يعملون لدى شركة أميركية تعمل على نشر التبشير في ليبيا”. كما اتهم منظمةً تُدعى “جماعة الله”، بالتورط في هذه الأنشطة. وقال إن “التحقيقات أثبتت دوراً كبيراً للمنظمة في إغواء من ضُبطوا”. لكن الإجراء أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الليبية، سواء لجهة التوسع في سلطات الجهاز وصلاحياته، أو على صعيد وضع الحريات الدينية في ليبيا.

واتهم عضو المجلس الأعلى للدولة سالم مادي، جهاز الأمن الداخلي باختطاف نجله سيفاو، في آذار (مارس) الماضي، في العاصمة طرابلس، رغم أن الجهاز مؤسسة تابعة للدولة وملزمة باتباع قوانينها، واصفاً اعتقال نجله بـ”الباطل الذي لا صلة له بالقانون”.
وتضامن المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان، مع مادي، محملاً حكومة “الوحدة الوطنية” الموقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة المسؤولية الكاملة عن اختفاء سيفاو. وطالب الجهات القضائية بالكشف عن مصيره، وفتح تحقيق شامل في الواقعة.
الخارجية الأميركية
ودخلت الخارجية الأميركية على خط القضية، وقال الناطق باسمها نيد برايس، إن واشنطن “على علم بتقارير عن احتجاز مواطن أميركي في طرابلس، ونعمل على تقديم المساعدة المناسبة”. ووسط معلومات عن إمكان تسليم الأميركي إلى بلاده، بعد تدخل وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، لمّح برايس إلى تلك الخطوة، مشيراً إلى أن “سلامة المواطنين الأميركيين تعد أولوية كبرى بالنسبة لنا”، لافتاً إلى أن “ليبيا تأتي ضمن مستويات الدول التي ترشد الولايات المتحدة مواطنيها بعدم السفر إليها بسبب الجريمة فيها”.
من جانبها، كشفت منظمة العفو الدولية أن جهاز الأمن الداخلي في طرابلس، اعتقل على مدى الأشهر الأربعة الماضية، سبعة شبان على الأقل رغم ممارساتهم السلمية لحقهم في حرية التعبير، واحتجزهم تعسفياً مع اتصال ضئيل أو معدوم مع العالم الخارجي، وسط قلق متزايد على سلامتهم وأحوالهم، بينما اختبأ رجال ونساء آخرون، بعد تعرضهم لتهديدات بالقتل وحملات تشهير على وسائل التواصل الاجتماعي. ورأت أنه يتعين على السلطات الليبية أن تأمر بوضع حد لاضطهاد الشباب الليبي من رجال الميليشيات وعناصر الأمن، بحجة حماية “القيم الليبية والإسلامية”، ودعم حقهم في حرية التعبير.
انتهاك للحقوق
وقال الباحث في شؤون ليبيا في المنظمة حسين بيومي، إن نشر “الاعترافات المصوّرة يُعدّ انتهاكاً صارخاً لحقوق المحاكمة العادلة، بما في ذلك الحق في عدم تجريم الذات”. وأكد أن هذه الخطوة “غير القانونية والمتهورة قد حرّضت على الكراهية ضد مجموعة من الليبيين الذين يتجرؤون على التعبير عن آرائهم سلمياً”.
وحضّت المنظمة السلطات الليبية على “وقف الحملة الشرسة لجهاز الأمن الداخلي ضد الأشخاص الذين يمارسون حقوقهم الإنسانية سلمياً”، مشيرةً إلى أنه تم احتجاز الشبان السبعة بين شهري تشرين الثاني (نوفمبر)، وآذار (مارس) الماضيين، في مقر جهاز الأمن الداخلي في طرابلس، قبل نقلهم إلى سجن معيتيقة.
وهذا ليس الحادث الأول من نوعه، فقد اعتقلت السلطات الليبية، مطلع عام 2013، عدداً من المصريين الأقباط للاشتباه بتورطهم في دعوات تبشيرية في مدينة بنغازي، وتوفي أحدهم خلال الاحتجاز. كما قُتل في العام نفسه، قبطي مصري في هجوم على كنيسة القديس جرجس للأقباط في محافظة مصراتة (غرب ليبيا). وفي نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2014 قتل سبعة مسيحيين مصريين عند أحد شواطئ شرق ليبيا ما أثار موجة غضب عارمة.

وعانى المسيحيون في ليبيا تداعيات الفوضى المحتدمة في البلاد منذ شباط (فبراير) عام 2011، وعلى إثرها تقلص عددهم إلى ما بين 4 آلاف و6 آلاف شخص، أغلبهم أفارقة وبعض الآسيويين، وفقاً لتقديرات غير رسمية، ومن بين هؤلاء من لا يحملون وثائق ومرشحون للهجرة غير الشرعية. وكانت أعدادهم قبل عام 2011 تُقدر بنحو 170 ألف مسيحي.
واحتلت ليبيا، عام 2019، المركز الرابع دولياً والثاني عربياً في قائمة البلدان الأكثر قمعاً للمسيحيين، وفقاً لتقرير أصدرته منظمة “أوبن دورز” التي تراقب أوضاع المسيحيين عبر العالم. وقال التقرير إن “المسيحيين في ليبيا يتعرضون للعنف والقتل من الجماعات الإسلامية المتطرفة، كما يتعرض العمال المسيحيون الوافدون من الدول الأخرى للقمع نفسه”.
قوانين صارمة
وتبنت ليبيا، منذ نهاية ستينات القرن الماضي، قوانين صارمة بخصوص موضوع الأقليات الدينية، حيث تضمن قانون العقوبات نصوصاً تمنع على المسلمين اعتناق أي ديانة أخرى، باستثناء الذين يولدون على ديانة مختلفة حيث يُسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية، مع منعهم من القيام بأي حملة لمصلحة معتقداتهم الدينية.
وتنص المادة 291 من قانون العقوبات الليبي على أنه “يعاقب بالإعدام حداً كل مسلم مكلف ارتد عن الإسلام بقول أو فعل، وتسقط العقوبة بتوبة الجاني في أي مرحلة قبل تنفيذ الحكم”، كما “يعاقب بالسجن كل من صدر منه ما يعد إساءة للدين الإسلامي ما لم يبلغ حد الردة. يعاقب غير المسلم بالإعدام إذا أهان دين الإسلام علانية”.
واتهم المستشار القانوني للمنظمة الليبية لحقوق الإنسان أبو عجيلة العلاقي، الجماعات المتطرفة في ليبيا بـ”السيطرة على المجال العام في البلاد وتقويضهم لأي فرص لتطور المجتمع الليبي، بما يسمح له بالتعايش مع الذين يخالفونه القيم والمعتقدات”. وأضاف في تصريح لـه : “في الماضي لم يكن هناك أزمة أبداً في ليبيا، فعلى مر تاريخها، عاش فيها المسيحيون واليهود والمسلمون جنباً إلى جنب من دون أي أزمات”. ورأى أيضاً أن ليبيا تواجه معضلة “عدم تكييف نصوصها القانونية مع الالتزامات والمواثيق الدولية التي صادقت عليها”، داعياً إلى حوار مجتمعي واسع بشأن ملف الأقليات، الذي أصبح يسيء إلى صورة ليبيا وسمعتها في الخارج.






