حرية | الجمعة 20 شباط 2026
الدكتور صفاء الوائلي
تعود المفاوضات الأميركية–الإيرانية إلى الواجهة في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية، ويختلط فيها السعي المعلن لتجنب الحرب مع استعدادات صامتة لأسوأ السيناريوهات. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم: هل هذه المفاوضات خطوة جادة لمنع المواجهة، أم مجرد أداة لكسب الوقت وترتيب الأوراق قبل الانفجار؟
من زاوية الولايات المتحدة، لا يمكن فصل المسار التفاوضي عن المنطق الاستراتيجي التقليدي لواشنطن. تاريخيًا، غالبًا ما استخدمت الإدارات الأميركية المفاوضات كوسيلة لإدارة الأزمات لا لإنهائها بالضرورة، خصوصًا عندما تكون كلفة الحرب مرتفعة سياسيًا وعسكريًا. التفاوض هنا يمنح الولايات المتحدة ثلاث فوائد أساسية: تهدئة الجبهة الدولية، اختبار نوايا الخصم، وكسب وقت ثمين لاستكمال الجاهزية العسكرية وبناء تحالفات داعمة إن فشلت الدبلوماسية.
في المقابل، تتعامل إيران مع هذه المفاوضات ببراغماتية حذرة. طهران تدرك أن واشنطن لا تفاوض من موقع ضعف، لكنها في الوقت نفسه تعلم أن الولايات المتحدة لا ترغب في حرب مفتوحة ذات نتائج غير مضمونة في منطقة شديدة الاشتعال. لذلك تعتمد إيران سياسة التفاوض بلا أوهام والتي تعني : تقديم مرونة تكتيكية دون تقديم تنازلات استراتيجية، مع الحفاظ على أوراق القوة الأساسية، سواء العسكرية أو الإقليمية. بالنسبة لطهران، التفاوض ليس طريقًا للثقة، بل أداة لإدارة الصراع وتأجيله أو تفاديه إذا أمكن، دون التفريط بعناصر الردع.
أما إسرائيل، فهي الطرف الأكثر تشددًا تجاه أي مسار تفاوضي لا ينتهي بتقليص حاسم لقدرات إيران. ترى تل أبيب في الوقت عاملًا خطيرًا يعمل لصالح طهران، ولذلك تدفع، بشكل مباشر أو عبر حلفائها، نحو خيار المواجهة أو على الأقل إبقاء التهديد العسكري حاضرًا بقوة. الضغط الإسرائيلي يهدف إلى منع أي تسوية ناقصة تترك لإيران هامش مناورة مستقبلي، وهو ما يفسر التصعيد الإعلامي والأمني المتكرر في كل مرة تقترب فيها المفاوضات من أي انحسار او تراجع.
يبقى السؤال الأخطر والاهم: هل ستختار الولايات المتحدة الهجوم؟ الواقع يشير إلى أن خيار الحرب ليس مستبعدًا، لكنه ليس الخيار الأول. أي قرار بالهجوم سيكون محكومًا بعوامل عدة: فشل كامل للمفاوضات، حصول تطور نوعي تعتبره واشنطن وتل أبيب تهديدًا مباشرًا، وتوافر غطاء دولي أو إقليمي يقلل من كلفة القرار. ومع ذلك، تدرك واشنطن أن أي ضربة عسكرية لن تكون محدودة الأثر، بل ستفتح باب ردود فعل واسعة.
الرد الإيراني، في حال وقوع هجوم، لن يكون بالضرورة مباشرًا أو تقليديًا. من المرجح أن تعتمد إيران استراتيجية الرد المتدرج وغير المتماثل: توسيع رقعة الاشتباك، استخدام أدوات الضغط الإقليمية، ورفع كلفة المواجهة على المصالح الأميركية وحلفائها دون الانجرار إلى حرب شاملة سريعة. هذه المقاربة تهدف إلى فرض معادلة ردع جديدة لا تحقيق نصر عسكري تقليدي.
خلاصة المشهد أن المفاوضات الجارية ليست سلامًا مضمونًا ولا خدعة مطلقة، بل مساحة رمادية بين الحرب والدبلوماسية. هي صراع إرادات بوسائل ناعمة، يُختبر فيها الصبر والقدرة على التحمل بقدر ما تُختبر النوايا. وبين ضغط إسرائيل، وحذر إيران، وحسابات أميركا المعقدة، تبقى المنطقة معلّقة على خيط رفيع: إما تسوية مؤقتة تُؤجِّل الانفجار، أو خطأ في الحسابات يُشعل مواجهة لا يريدها أحد… لكن الجميع يستعد لها.







