وكالة حرية | الثلاثاء 2 ايلول 2025
أحمد الحمداني
الهوية البصرية لبغداد بين الحلم الفرنسي والواقع العراقي
حين نتأمل المدن الفرنسية، من باريس إلى ليون ومرسيليا، نكتشف أن سرّ جمالها لا يكمن فقط في معالمها الشهيرة، بل في فلسفة عمرانية متكاملة مزجت بين العقل والروح. فالمباني ليست مجرد كتل إسمنتية، بل قصائد حجرية تروي قصة حضارة ممتدة عبر قرون الشوارع الواسعة، الساحات المضيئة، والحدائق المصممة بعناية، جميعها صنعت هوية بصرية تبقى راسخة في ذهن كل من يزورها.
الفرنسيون أدركوا باكراً أن المدينة ليست مكاناً للسكن فقط، بل فضاءً للعيش، للقاء، وللإحساس بالجمال لذلك تجد ميادينهم مركزاً للحياة العامة مقاهيهم جزءاً من روح الشارع، وحدائقهم نافذة تفتح على الراحة والخيال. التخطيط العمراني عندهم يقوم على المحورية، الانسجام، واحترام الإنسان كعنصر أساس في المعادلة.
أما بغداد، مدينة الألف ليلة وليلة، فإنها تعيش اليوم اغتراباً عن ذاتها البصرية هي مدينة مليئة بالتاريخ، لكنها تفتقد في حاضرها إلى هوية عمرانية واضحة الازدحام البصري، العمارات العشوائية، والإهمال المتراكم، جعلت من وجهها الحضري لوحة غير متجانسة ومع ذلك، تبقى بغداد قادرة على استعادة بهائها إذا ما وُضعت رؤية حضرية جديدة تنطلق من عناصر بسيطة تنظيم الشوارع، إعادة تأهيل الواجهات التراثية، خلق ميادين مركزية نابضة بالحياة، وتطوير الحدائق والمتنزهات العامة.
إمكانية تطبيق النموذج الفرنسي في بغداد ليست حلماً مستحيلاً فالعاصمة العراقية تمتلك إرثاً غنياً من العمارة الإسلامية والعباسية يمكن أن يُدمج بروح الحداثة الفرنسية، لتتشكل هوية بصرية فريدة إعادة الاعتبار للنهر وجسوره، ترميم الشناشيل البغدادية، إنشاء ساحات حضرية كبرى تليق بتاريخ المدينة، كلها خطوات قادرة على تحويل بغداد إلى عاصمة تبهر الناظر وتعيد لها مكانتها الثقافية.
لكن ذلك لن يتحقق ما لم تتوفر إرادة سياسية واضحة ورؤية إدارية تنطلق من فهم عميق لروح المدينة إن بغداد بحاجة إلى أن يحكمها أبناؤها، ممن يعرفون أزقتها وتاريخها وأحلام ناسها أمانة بغداد ومحافظ بغداد يجب أن يكونوا من بغداد حصراً، لأن من لم يعش تفاصيلها لا يمكن أن يدرك عمق مشكلاتها البصرية والاجتماعية فإدارة المدينة ليست منصباً سياسياً عابراً، بل مسؤولية تاريخية تحتاج إلى انتماء حقيقي وإخلاص عميق.
وفي هذا السياق، لا بد من تعاون دولي ومحلي يعيد رسم ملامح العاصمة فالتجربة الفرنسية في العمران يمكن أن تُفتح لها أبواب بغداد عبر شراكات مدروسة بين الشركات الهندسية الفرنسية والمكاتب الهندسية العراقية ومن الضروري أيضاً إشراك طلاب كليات الهندسة في الجامعات العراقية في هذا المشروع، ليكتسبوا خبرة عملية ويكونوا الجيل القادم الحامي لهوية بغداد البصرية. بهذا، تتحول إعادة إحياء بغداد من مجرد مشروع عمراني إلى مدرسة حضارية تصنع جيلاً جديداً من المهندسين والمصممين.
على الحكومة أن تدرك أن الهوية البصرية ليست ترفاً يمكن التهاون به، بل هي ركن من أركان الأمن المجتمعي والوطني فمدينة بلا جمال وبلا هوية، هي مدينة تفقد أبناءها الثقة بها، وتدفعهم نحو الاغتراب الداخلي والخارجي حماية وجه بغداد الحضري يجب أن تكون بمستوى حماية أمنها وحدودها، لأن كلاهما يصنع كرامة المواطن.
إن إعادة الهوية البصرية لبغداد ليست مشروع تجميل عابر، بل مشروع وطني يساوي في أهميته إعادة الإعمار الاقتصادي والسياسي. هوية المدن هي ما يطبع ذاكرة الشعوب، وما يجعل الأمم فخورة بتاريخها وحاضرة في وعي العالم وبغداد، التي كانت عاصمة الدنيا، تستطيع أن تكون مرة أخرى مدينة مبهرة، إذا تحولت النوايا الصادقة إلى خطط عملية تُنفذ بحزم وجرأة، بعيداً عن الفساد والمصالح الضيقة.
إن الحلم الفرنسي في العمران ليس بعيداً عن متناول اليد، لكنه يتطلب أولاً أن نعيد اكتشاف بغداد في عيون أبنائها، وأن نمنحها ما تستحقه من رعاية ووفاء، لتنهض بهويتها وتعود عروس العواصم كما كانت.







