حرية | السبت 21 شباط 2026
بقلم: أحمد الحمداني
الخوف في العراق ليس حالة طارئة تولد مع كل أزمة إقليمية ثم تختفي، بل هو ذاكرة متجذّرة في الوعي الجمعي، تشكلت عبر عقود من الحروب والحصار والانهيارات الاقتصادية ولهذا، حين تتصاعد التوترات في المنطقة، لا يتفاعل العراقي مع الخبر بوصفه حدثاً سياسياً بعيداً، بل بوصفه احتمالاً معيشياً قد يطرق بابه في أي لحظة السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط ما إذا كانت المنطقة مقبلة على تصعيد جديد، بل من يدير الخوف في الداخل العراقي، وكيف يُدار.
جيل التسعينات لم يعش “أزمة” عابرة، بل عاش نظاماً كاملاً من الندرة. كان الحصار واقعاً يومياً، وكانت الدولة والمجتمع يتعاملان مع معادلة قاسية: كيف تبقى على قيد الحياة بأقل الموارد الممكنة؟ كانت طوابير البنزين جزءاً من المشهد اليومي، وكانت “الصوبة” المدفأة البسيطة تتحول إلى فرن نخبز عليه الخبز حين شحّ الغاز والكهرباء النفط الأبيض لم يكن مجرد مادة للتدفئة، بل كان عنواناً لقلق يومي حول قدرة الأسرة على اجتياز الشتاء أما الدولار، فقد كان رقماً مرعباً؛ مئة دولار كانت تعادل ثلاثمئة ألف دينار عراقي، وهو رقم لم يكن يعكس فقط انهيار العملة، بل انهيار القدرة الشرائية والأمان الاقتصادي معاً.
ذلك الألم لم يكن نظرياً كان المواطن يتألم في صمت، يحاول أن يحافظ على كرامته وسط عجز الدولة وانغلاق العالم. لم تكن المشكلة فقط في نقص الوقود أو ارتفاع الأسعار، بل في الشعور بالعزلة والانكشاف كانت الدولة نفسها محاصَرة، وكان المجتمع يدفع الثمن لهذا، حين يسمع العراقي اليوم مفردات مثل “تصعيد”، “عقوبات”، “مواجهة”، فإنه لا يقرأها في سياق التحليل السياسي فقط، بل يربطها فوراً بتجربة الحصار. الذاكرة تختصر المسافة بين الماضي والحاضر.
لكن العراق اليوم ليس عراق التسعينات لا يوجد حصار شامل، والاحتياطي النقدي أفضل، والأسواق مفتوحة، والاقتصاد مندمج نسبياً في النظام المالي العالمي ومع ذلك، تبقى الذاكرة عاملاً حاسماً في تشكيل المزاج العام إدارة الدولة الحديثة لا تقتصر على إدارة الحدود والملفات الدبلوماسية، بل تشمل إدارة المزاج المجتمعي، خصوصاً في لحظات القلق هنا يصبح السؤال أكثر دقة هل هناك إدارة واعية للخوف، أم يُترك ليتحول إلى إشاعة وهلع؟
الخوف حين لا يُدار يتحول إلى سلسلة من ردود الفعل تبدأ بإشاعة صغيرة حول نقص محتمل في مادة ما، ثم تتسع لتصبح حالة شراء هستيري، فتُربك السوق، وترتفع الأسعار، ويُعاد إنتاج القلق الاقتصاد، بطبيعته، حساس للمزاج العام إذا شعر المواطن أن هناك غموضاً أو تردداً في القرار، فإنه يتصرف بدافع التحوط، فيخزن ويقلق ويترقب الدولة التي تفهم ذلك تدرك أن الطمأنة ليست ترفاً خطابياً، بل ضرورة اقتصادية.
إدارة الخوف لا تعني إنكار المخاطر، بل تعني التعامل معها بشفافية واستباقية حين تتصاعد التوترات الإقليمية، يفترض أن تعمل غرف الأزمات بهدوء، وأن يُعلن للناس ما يكفي لطمأنتهم دون تهوين أو تهويل السيادة ليست فقط منع استخدام الأرض ساحة لصراعات الآخرين، بل هي أيضاً حماية الداخل من آثار تلك الصراعات نفسياً واقتصادياً المواطن لا يريد خطابات عامة، بل يريد أن يشعر أن معيشته ليست رهينة أي تفاهم خارجي.
وايضاً من يستفيد من الخوف؟ في بعض الأحيان، يُستخدم القلق كورقة ضغط سياسي، أو كأداة لإعادة ترتيب الاصطفافات الخوف قد يُستثمر في شدّ العصب، أو في تبرير تأجيل قرارات داخلية لكن هذا الاستخدام قصير الأمد، لأنه يراكم هشاشة طويلة الأمد المجتمع الذي يعيش في حالة ترقب دائم يفقد ثقته تدريجياً بقدرة مؤسساته على الحسم وعندما تتراجع الثقة، يصبح أي خبر قابلاً للتضخيم، وأي شائعة قابلة للتصديق.
العراق يقف اليوم في لحظة دقيقة المنطقة متوترة، والاحتمالات مفتوحة لكن الفرق بين دولة قوية ودولة مرتبكة ليس في غياب المخاطر، بل في كيفية إدارتها الدولة القوية تعترف بوجود التحديات، وتضع خططاً واضحة، وتخاطب شعبها بلغة صريحة الدولة المرتبكة تكتفي بالمراقبة والانتظار، فتترك الفراغ يُملأ بالتأويلات.
في التسعينات، لم يكن المواطن يملك خياراً سوى التكيّف مع واقع مفروض عليه كان يبحث عن وقود وطحين ودفء، ويحاول أن يحمي أسرته من قسوة العوز اليوم، المواطن لا يريد أن يعود إلى تلك المعادلة يريد أن يشعر أن بلده تعلّم من التجربة، وأن الذاكرة تحولت إلى خبرة لا إلى عبء يريد أن يعرف أن هناك من يقرأ المخاطر ويستعد لها، لا من يكتفي بتوصيفها.
الخوف شعور إنساني مشروع، لكن تركه بلا إدارة يحوله إلى عنصر destabilizing يسبق أي أزمة فعلية. الاقتصاد قد يتأثر قبل أن تقع الضربة، والأسواق قد ترتبك قبل أن تُفرض العقوبات، والشارع قد يتوجس قبل أن يصدر القرار. لذلك، فإن إدارة الخوف جزء من إدارة الدولة. إنها مسؤولية سياسية وأخلاقية في آن واحد.
من يدير الخوف في العراق؟ هل تُدار المخاوف في مؤسسات تخطط وتستبق، أم تُترك لتُدار في المقاهي وصفحات التواصل؟ هل السيادة مفهوم يُختزل في السياسة الخارجية، أم يمتد ليشمل حماية الاستقرار النفسي للمجتمع؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، بل جوهر اللحظة.
الخوف لا يُلغى بالشعارات، ولا يُحتوى بالصمت يُحتوى بالفعل، بالشفافية، وبالقرار الواضح والدولة التي لا تدير خوف شعبها، تتركه يُدار من غيرها، سواء كان ذلك عبر إشاعة، أو عبر سوق مضطرب، أو عبر خطاب متوتر بين ذاكرة التسعينات وواقع اليوم، يقف العراق أمام اختبار جديد أن يحوّل تجربته القاسية إلى مناعة سياسية واقتصادية، وأن يثبت أن الخوف لم يعد سيد القرار، بل درساً يُستفاد منه.







