بغداد – الثلاثاء 24 شباط 2026 – خاص – أعداد القسم السياسي
مهلة واشنطن… أم أزمة الداخل؟
قراءة تحليلية موسعة في تعثر تشكيل الحكومة العراقية
أثار عنوان نشره موقع العربية الحدث مؤخراً بخصوص “مهلة واشنطن للعراق حتى يوم الجمعة لتشكيل حكومة غير خاضعة للنفوذ الإيراني” جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية في العراق والمنطقة. لكن بعيداً عن الإثارة، يبقى السؤال المركزي هل هناك بالفعل مهلة أميركية رسمية، أم أن العنوان من نتاج التضخيم الإعلامي وتوظيف التصريحات لأغراض سياسية؟
أولاً: بين الخبر والتسريب… ما الذي نعرفه فعلياً؟
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لا يوجد إعلان رسمي مُوثّق من:
وزارة الخارجية العراقية
السفارة العراقية في واشنطن
وزارة الخارجية الأميركية
يؤكد بشكل صريح وجود “مهلة زمنية” ملزمة لتشكيل الحكومة العراقية، وهو ما يجعل الإسناد القانوني للعنوان غير واضح. دبلوماسياً، إعلان مثل هذه المهلة يعد تدخلاً مباشراً في مسار دستوري لدولة ذات سيادة، وهو أمر عادة ما يتم في بيانات رسمية أو عبر لقاءات مغلقة بين قادة الدول، لا عبر عناوين إعلامية غير مدعومة بنص رسمي صادر عن الأطراف المعنية.
وفقاً لوزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، فإن تشكيل الحكومة “مسألة داخلية” مع مراعاة آراء الشركاء الدوليين ومن ضمنهم الولايات المتحدة، لكنه لم يذكر أي مهلة رسمية أو شرط زمني ملزم.
ثانياً: هل هناك ضغط أميركي فعلي؟
الولايات المتحدة منذ فترة طويلة تمارس ضغطاً غير مباشراً في السياسة العراقية عبر قنوات متعددة منها:
ملف العقوبات
حدود دور الفصائل المسلحة
ملف الطاقة
اتفاقات الأمن الثنائية
لكن تحويل هذا الضغط إلى مهلة زمنية محددة لتشكيل حكومة يدعو إلى الحذر، فهو سيكون تحولاً في طبيعة العلاقة التقليدية التي لطالما عبرت واشنطن عنها بأنها ترحب بحكومة عراقية مستقرة ومتوازنة طالما تلتزم بسياسات التعاون البناء.
في المقابل، هناك إشارات رسمية أميركية سابقة أظهرت تحفظاً على خيار ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، مع تأكيد أن واشنطن قد تُعيد تقييم علاقتها بالعراق إذا مضى هذا الترشيح قدماً.
ثالثاً: جوهر الأزمة… رئاسة الجمهورية
بعيداً عن أي حديث خارجي عن مهلة، تبقى الحقيقة الدستورية الأساسية حاضرة لا يمكن تكليف رئيس وزراء قبل انتخاب رئيس الجمهورية.
حتى الآن، الانتخابات البرلمانية جرت في 11 تشرين الثاني 2025، وتنتظر رئاسة الجمهورية التي يُفترض أن تكون من حصة القوة الكردية وفق النظام الوطني المعمول به منذ 2003، لكن الخلافات داخل البيت الكردي على مرشح موحد تعطل انعقاد الجلسة المطلوبة لإتمام انتخاب رئيس الجمهورية.
ويُعد انتخاب الرئيس الحلقة الاولى في السلسلة الدستورية لتشكيل الحكومة:
انتخاب الرئيس ← تكليف رئيس الوزراء ← التصويت على الكابينة ← بدء البرنامج الحكومي
وبالتالي، فإن التأخير الراهن هو نتيجة ظرف داخلي دستوري قبل أن يكون نتيجة ضغط خارجي ملزم.
رابعاً: الإشكالية الكردية وتأثيرها على المشهد الوطني
الخلاف داخل المكون الكردي حول مرشح رئاسة الجمهورية يعرقل العملية برمّتها، والتوافق على شخصية واحدة يعيد الزخم لمسار التشكيل وفي هذا الإطار، قد يُطرح لاحقاً أسماء من داخل المكوّن الكردي.
هذا التأخير في حسم منصب الرئيس ليس فقط خلافاً سياسياً داخلياً، بل له تبعات مباشرة على بقية المسار الدستوري، ويطرح تحديات تؤثر في الثقة السياسية والاستقرار المؤسساتي.
خامساً: صناعة السردية… من يربح من فكرة “الضغط الأميركي”؟
في الأزمات السياسية عادة ما تُستخدم عناوين خارجية لتخفيف الضغط الداخلي، وتوجيه الأنظار نحو قوى أخرى. فكرة “مهلة أميركية” تحقق أهدافاً متعددة لبعض الأطراف، منها:
تبرير التأخير في التوافق الداخلي
إعادة تعبئة القواعد الانتخابية للكتل السياسية
توظيف العنوان في معارك النفوذ بين الداخل والخارج
لكن الواقع المؤسسي واضح حتى الآن مسار تشكيل الحكومة العراقية قائم داخلياً، وعنوان “المهلة” لا يعكس موقفاً رسمياً ثابتاً من واشنطن.
سادساً: بين السيادة والاصطفاف الإقليمي
العراق يقع في نقطة توازن دقيقة بين واشنطن وطهران هذا التوازن يتجلى في الخطاب السياسي الذي يدعو إلى حكومة قادرة على إدارة العلاقة مع كلا المحورين، وليس الانحياز الحاد لأي منهما لكن تشكيل الحكومة هو قرار داخلي وفق آليات دستورية، وأي مساس به عبر عناوين خارجية يمكن أن يُضعف عملية التوافق الوطني ويُعزز الانقسامات السياسية.
تقارير غربية متعددة تُؤكد أن تشكيل الحكومة العراقية ليس فقط مسألة وقت، بل يرتبط بعملية تفاوض معقدة بين قوى سياسية متعددة داخل البرلمان، ولا يمكن اختصارها في عناوين تحدد سقفاً زمنياً من الخارج.
الخلاصة التحليلية
لا يوجد دليل رسمي معلن على مهلة أميركية ملزمة لتشكيل الحكومة الأزمة الفعلية تكمن في عدم حسم رئاسة الجمهورية، تعطيل الجلسات وعدم اكتمال النصاب هو السبب المباشر للتأخير، توظيف العناوين الإعلامية قد يكون جزءاً من لعبة الضغط السياسي؛
مفتاح الحل الحقيقي ما زال داخل البرلمان أمام التوافق الوطني، من الأسماء التي يمكن طرحها في مرحلة لاحقة شخصيات توافقية لإحداث اختراق في المسار المتعثر.
العراق اليوم لا يحتاج إلى عناوين مثيرة، بل إلى حسم داخلي مسؤول يعيد القرار إلى مؤسساته الدستورية، ويعيد استقرار النظام السياسي عبر توافق شامل يُنهي حالة الفراغ التي امتدت لأسابيع بعد الانتخابات.
المسار الدستوري واضح، لكن الإرادة السياسية لم تكتمل بعد.
والسؤال الحقيقي ليس هل واشنطن حددت مهلة؟
بل: متى ينهي العراق تأخيره الداخلي ويعيد تأسيس حكومته؟







