حرية | الخميس 5 آذار 2026
أحمد الحمداني
في السياسة لا تكفي النوايا الحسنة ولا تكفي الشعارات العالية، فالدول لا تُدار بالعاطفة بل بالعقل والمسؤولية والقدرة على حماية المصالح الوطنية ولهذا أقولها بصراحة ووضوح إن على الشيعة العراقيين الذين يتولون مواقع القيادة اليوم أن ينتبهوا جيداً لما يجري حولهم لأن اللحظة لم تعد تحتمل الأخطاء يكفي ما يحصل، فالعراق دفع ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية ودفع الشيعة العراقيون أنفسهم ثمناً أكبر في مواجهة الاستبداد والحروب والإرهاب، وبعد عام 2003 وجدوا أنفسهم للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث في موقع قيادة الدولة، وكان ذلك فرصة تاريخية نادرة لبناء دولة عادلة قوية تعوض عقود الحرمان وتفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد.
لكن السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه اليوم هو ماذا فعلنا بهذه الفرصة؟ بعد أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً من استلام الحكم ما زال العراق يواجه أزمات عميقة في بنية الدولة، فما زالت المؤسسات ضعيفة والاقتصاد هشاً والفساد مستشرياً والانقسام السياسي حاضراً بقوة، والأخطر من ذلك أن القرار السياسي ما زال موزعاً بين ولاءات متعددة وحسابات متضاربة وكأن الدولة لم تكتمل بعد.
إن القيادة ليست امتيازاً بل مسؤولية ثقيلة، ومن يتولى قيادة الدولة لا يملك ترف التفكير بعقلية الفصيل أو الحزب أو العاطفة الطائفية، فالقائد مسؤول عن وطن كامل بكل مكوناته وحدوده ومصالحه وسيادته وما نراه اليوم من خطاب سياسي متوتر ومن شعارات تدفع نحو التصعيد والمواجهة يثير قلقاً حقيقياً، لأن الدولة التي تدخل الصراعات الكبرى دون حساب دقيق للمصالح والتوازنات قد تدفع ثمن ذلك من أمنها واستقرارها ومستقبل شعبها.
العراق لا يجوز أن يتحول إلى ساحة صراع مفتوحة ولا إلى جسر تعبر من خلاله الحروب الإقليمية العراق بلد محوري في المنطقة يمتلك تاريخاً عريقاً وثروات هائلة وشعباً قادراً على البناء، ومسؤولية القادة اليوم هي حماية هذا البلد من الانزلاق إلى مغامرات سياسية أو عسكرية قد تعيد إنتاج الكوارث التي عاشها العراقيون لعقود طويلة لقد تعب العراقيون من الحروب وتعبوا من الشعارات التي لا تتحول إلى مشاريع بناء وتعبوا من الصراعات التي لا تنتج إلا مزيداً من الخراب.
ولهذا فإن الرسالة التي يجب أن تقال بوضوح هي أن الولاء الأول والأخير يجب أن يكون للعراق، لا لأي محور ولا لأي دولة ولا لأي مشروع عابر للحدود، فالعراق يجب أن يكون البوصلة التي تحدد القرار السياسي إن قوة الشيعة في العراق لا تكمن في الخطاب المتشدد ولا في رفع سقف المواجهة بل في قدرتهم على إدارة الدولة بحكمة وبناء مؤسسات قوية وتحقيق العدالة والتنمية لكل العراقيين.
فإذا نجحوا في بناء دولة قوية عادلة فإنهم سيكسبون احترام التاريخ، أما إذا استمر الانقسام والصراع الداخلي واستمرت السياسات التي تضع البلاد في قلب العواصف الإقليمية فإن الخسارة لن تكون خسارة طائفة أو حزب بل خسارة وطن كامل، إن أخطر ما قد يواجهه الشيعة العراقيون اليوم ليس خصومهم السياسيين بل أخطاءهم هم إن لم يتداركوها في الوقت المناسب، فالتاريخ لا يكتب النوايا بل يكتب النتائج ولا يذكر الشعارات بل يذكر الدول التي نجحت أو فشلت.
ولا نريد أن يأتي يوم يقال فيه إن الشيعة حين وصلوا إلى الحكم لم يعرفوا كيف يحكمون ولا كيف يبنون دولة بل تركوا بلادهم تتآكل بالصراعات والفساد والانقسام العراق يستحق أفضل من ذلك والشيعة العراقيون الذين قدموا تضحيات هائلة عبر تاريخهم يستحقون أيضاً أن يروا ثمار تلك التضحيات في دولة قوية مستقرة لا في دولة تتنازعها الأزمات.
ولهذا فإن النداء اليوم واضح يجب على قادة الشيعة في العراق أن ينتبهوا جيداً لما يجري حولهم وأن يدركوا أن حماية الدولة مسؤوليتهم الأولى وأن يوحدوا القرار ويقدموا مصلحة العراق على كل شيء، فالدولة إن ضاعت لن يربح أحد، وإن نجح العراق في النهوض فسيكون ذلك انتصاراً لكل أبنائه دون استثناء.







