وكالة حرية | االاربعاء 15 تشرين الاول 2025
استغرق الأمر قرابة عامين من الحرب، واحتجاجات لا تتوقف للمطالبة بالإفراج عن المحتجزين، مع وجود رئيس أمريكي نشيط عازم على تحقيق ما بدا غير ممكن. فبعد أن حصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دعم دول عربية وإسلامية رئيسية، منها قطر وتركيا ومصر والسعودية، لخطته لإنهاء الحرب في غزة، أجبر كلاً من إسرائيل وحماس على قبولها.
وفي غضون أيام، سحب الجيش الإسرائيلي معظم قواته من غزة، وأطلقت حماس سراح جميع الرهائن الإسرائيليين الـ 20 الأحياء. ثم شارك عدد كبير من قادة الدول في قمة سلام بمنتجع شرم الشيخ المصري.
ولم تتم دعوة نتانياهو إلى القمة، حتى تحدث مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في حضور ترامب. وبدا الأمر لوهلة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يفكر في الجلوس على مائدة واحدة مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لمناقشة قضية السلام، وإعادة إعمار قطاع غزة، والمشاركة المرجحة للسلطة الفلسطينية في إعادة الإعمار، قبل أن يقرر في النهاية عدم المشاركة.
وفي تحليل نشره موقع المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” البريطاني، قالت كسينيا سفيتلوفا، السياسية والمحللة الإسرائيلية، والزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعهد،: إن “رؤية الأحداث المتلاحقة التي شهدها ملف حرب غزة خلال الأيام الأخيرة، كانت أمراً غريباً تماماً كمشهد اعتذار نتانياهو لقطر عن قصف مقر قادة حركة حماس في الدوحة، ليصبح السؤال المطروح الآن هل فقد نتانياهو سيطرته على السلطة؟”.
وتقول سيفتلوفا إن الأيام الماضية شهدت انهيار الكثير من مفاهيم وأهداف نتانياهو واحد تلو الآخر. وفي مقدمة هذه التصورات حديثه عن النصر الكامل. فقبل أسابيع كان يرفض بغضب أي اقتراح بإنهاء الحرب عبر اتفاق مع حماس، مصراً على تحقيق “النصر الكامل”.

كما كان يرفض فكرة تأجيل نزع سلاح حماس إلى المستقبل، للسماح بإطلاق سراح الرهائن. ورفض أي مشاركة للسلطة الفلسطينية في إعادة إعمار غزة. وأصر على تقديم مساعدات إنسانية محدودة فقط، من خلال منظمة الإغاثة الإنسانية المدعومة من إسرائيل، التي ثبت فشلها وتم تفكيكها في ذلك الحين.
ورغم ذلك، دافع نتانياهو عن الاتفاق الذي جاء على عكس كل ما ظل يروج له حتى قبل أسابيع، مدعياً أن إسرائيل حصلت على كل ما تريده، رغم أنه يتناقض مع كل ما بشر به لسنوات عديدة. وفي غضون أيام، سيعاد فتح معبر رفح بين غزة ومصر، ويؤمنه رجال شرطة فلسطينيون مدربون في مصر، وفقاً لمصادر فلسطينية، وهو ما يعني عودة فعلية للسلطة الفلسطينية إلى غزة، وبداية إعادة الوحدة بين غزة والضفة الغربية.

ومنذ أوائل العقد الثاني من القرن الـ 21، اعتمدت استراتيجية نتانياهو على سياسة “فرق تسد”، لتقطع بذلك الطريق على أي فرصة للمفاوضات وأي احتمال لقيام دولة فلسطينية. وشمل ذلك إضعاف السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية مع إبقاء حماس على قيد الحياة في غزة. وقد خدمت كل خطوة، بدءاً من سياسة الاستيطان في الضفة الغربية، إلى تدفق الدعم المالي الخارجي لحركة حماس في غزة بموافقة إسرائيل هذا الهدف.
ولبعض الوقت، اعتقد نتانياهو أنه قادر على تحقيق كل شيء: اتفاقيات سلام مربحة مع الدول العربية مع “إدارة الصراع” مع الفلسطينيين. لكن هذه الاستراتيجية انهارت خلال هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 عندما قتل 1200 إسرائيلي، معظمهم من المدنيين، على يد حماس.

ويبقى أن نرى كيف سيتفاعل شركاء نتانياهو في الائتلاف مع الأحداث المتلاحقة في غزة. ويبدو أن نفوذ السلطة الفلسطينية سيزداد. الجدول الزمني لنزع سلاح حماس مؤجل وغير محدد. والطريق إلى الدولة الفلسطينية يحظى الآن بدعم واضح من أغلبية ساحقة من المجتمع الدولي.
وإذا لم يستقيل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير بسبب هذه القضايا، فقد تبقى حكومة نتانياهو لعدة أشهر، وحتى الانتخابات العامة المقررة قانوناً في أواخر عام 2026. ومع ذلك، فإن المطالب بتشكيل لجنة للتحقيق في الإخفاقات الأمنية التي أدت إلى 7 أكتوبر (تشرين الأول) ستخيم على الحكومة، خاصة وأن رئيس الوزراء أكد أنه لا يمكن تشكيل مثل هذه اللجنة إلا بعد انتهاء الحرب. كما أن طرح مشروع قانون التجنيد الإجباري، بهدف ضمان عدم خدمة الرجال المتشددين دينياً في الجيش، من شأنه أن يثير مشاكل في دولة فقدت للتو 915 جندياً معارك غزة.

وتشير استطلاعات الرأي في إسرائيل، إلى أن حزب الليكود بزعامة نتانياهو لن يتمكن من تشكيل ائتلاف حاكم في حال إجراء أي انتخابات مبكرة قريباً، حتى مع مراعاة النمو الطفيف في شعبيته مؤخراً. هذا يعني أن رئيس الوزراء قد يحاول تأجيل الانتخابات حتى يعتقد أن فرص فوزه قد تحسنت. وقبل زيارة ترامب لإسرائيل، هدد نتانياهو بأن إسرائيل ستعود إلى القتال للقضاء على حماس، في حال انتهاك أي من بنود الاتفاق. ويبدو الآن أن حتى شركائه في اليمين المتطرف يدركون أن ذلك سيكون مستحيلاً في الوقت الحالي، في ظل عزم ترامب على إنهاء الحرب.
وأخيراً تقول سيفتلوفا عضو الكنيست الإسرائيلي عن حزب الاتحاد الصهيوني، إن سياسات نتانياهو تنهار واحدة تلو الأخرى. لكن المعسكر الداعم لهذه السياسات مازال له وزن على الساحة الإسرائيلية. كما أن هناك غموضاً كبيراً بشأن ما سيحدث لاحقاً في الضفة الغربية. ومن غير الواضح ما إذا كان شركاء نتانياهو من اليمين المتطرف سيحصلون على حرية التصرف فيها، لتوسيع المستوطنات وبناء مستوطنات جديدة كما يريدون، في ظل رفض عالمي واسع النطاق لهذه الممارسات، ودعم أوسع لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة في الضفة وغزة.







