حرية | الاحد 8 آذار 2026
بعد أكثر من أسبوع على مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي في الهجوم الذي استهدف طهران ونُسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، لا يزال منصب المرشد الأعلى في إيران شاغراً، وسط تعقيدات سياسية وأمنية تعرقل حسم ملف الخلافة.
وبخلاف ما جرى عام 1989 عقب وفاة روح الله الخميني، حين حسم مجلس خبراء القيادة اختيار خليفته خلال أقل من يوم، تبدو عملية اختيار المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية اليوم أكثر تعقيداً، نتيجة تداخل مصالح مراكز القوة المختلفة داخل النظام الإيراني.
توازنات داخلية معقدة
لا يقتصر التأخير في اختيار المرشد الجديد على الظروف الأمنية والتهديدات الخارجية، بل يعكس أيضاً صراعاً غير معلن بين مؤسسات نافذة داخل الدولة، أبرزها الحرس الثوري الإيراني، ورؤساء السلطات الثلاث، إضافة إلى المؤسسة الدينية والتيارات السياسية المختلفة.
ويعد الحرس الثوري أحد أبرز اللاعبين في هذه المعادلة، خاصة في ظل قيادته للمواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وخلال العقود الماضية توسع نفوذ هذه المؤسسة داخل مراكز القرار السياسي والاقتصادي في البلاد، خصوصاً خلال فترة حكم خامنئي التي استمرت أكثر من ثلاثة عقود.
وتشير تسريبات إلى أن الحرس الثوري يميل إلى دعم ترشيح مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، فيما تحدثت بعض التقارير عن حصوله على دعم عدد كبير من أعضاء مجلس خبراء القيادة، المؤلف من 88 عضواً والمخوّل دستورياً اختيار المرشد الأعلى.
دور رؤساء السلطات
وفق الدستور الإيراني، تولى مجلس قيادة مؤقت إدارة شؤون البلاد بعد شغور المنصب، ويضم كلاً من رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي إلى جانب أحد أعضاء مجلس صيانة الدستور.
ويؤدي هذا المجلس دوراً مهماً في تهيئة الظروف السياسية والمؤسساتية لانتخاب المرشد الجديد، ما يجعل رؤساء السلطات الثلاث طرفاً مؤثراً في النقاش حول الأسماء المطروحة.
وتشير بعض المعطيات إلى أن إيجئي يسعى لتعزيز فرصه للوصول إلى المنصب، أو على الأقل دعم مرشح آخر مثل علي رضا أعرافي. في المقابل، يُعرف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بدعمه لترشيح مجتبى خامنئي.
أما الرئيس بزشكيان فيُعتقد أنه يميل إلى شخصيات أخرى مثل حسن روحاني أو حسن خميني، وإن لم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الأسماء مطروحة فعلياً للتصويت داخل مجلس الخبراء.
وزن المؤسسة الدينية
تلعب المؤسسة الدينية في إيران دوراً مهماً في هذا الملف، إذ تضم البلاد عدداً كبيراً من مراجع التقليد ورجال الدين الذين يتمتعون بثقل ديني ومعنوي مؤثر في شرعية المرشد الجديد.
ولهذا السبب تجري لجنة سرية داخل مجلس خبراء القيادة مشاورات مع كبار المراجع الشيعة قبل تثبيت الأسماء النهائية للمرشحين، بهدف تجنب معارضة دينية قد تؤثر في شرعية القيادة الجديدة.
مخاوف الإصلاحيين
يبدي التيار الإصلاحي في إيران قلقاً واضحاً من احتمال وصول مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد، نظراً لقربه من التيار المحافظ. ويعتقد أن الإصلاحيين يفضلون أسماءً أخرى مثل الرئيس الأسبق محمد خاتمي أو حسن روحاني أو حسن خميني.
وتشير بعض التقديرات إلى أن الضغوط التي يمارسها شخصيات نافذة مثل علي لاريجاني قد تكون أحد أسباب تأخر الإعلان عن اسم المرشد الجديد، في ظل مخاوف من أن يؤدي اختيار شخصية متشددة إلى تعقيد العلاقة مع الغرب.
عامل التهديدات الخارجية
زاد من تعقيد المشهد أيضاً التصعيد الخارجي، إذ أطلق الرئيس الأميركي Donald Trump تصريحات مثيرة للجدل تحدث فيها عن ضرورة أن يتم اختيار المرشد الإيراني المقبل بطريقة لا تهدد المصالح الأميركية، بل وهدد باستهداف أي مرشح قد يواصل نهج المواجهة مع واشنطن.
لحظة مفصلية
في ضوء هذه التوازنات المعقدة، يبدو أن اختيار المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية لن يكون مجرد إجراء دستوري، بل نتيجة مساومات وصراعات بين مراكز القوة داخل النظام.
ومع استمرار التوتر الإقليمي والمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يرجح مراقبون أن يتم حسم مسألة الخلافة قريباً، غير أن هوية المرشد الجديد قد تحدد إلى حد كبير شكل النظام الإيراني وتوجهاته في المرحلة المقبلة.






