حرية | الخميس 12 آذار 2026 – أعداد قسم الأخبار
غارات عكاشات تعيد الجدل حول استهداف مواقع الحشد الشعبي بين الرواية العراقية والاتهامات الأميركية
شهدت منطقة عكاشات في قضاء القائم غربي محافظة الأنبار، فجر الخميس، غارات جوية استهدفت مواقع تابعة للواء 19 في هيئة الحشد الشعبي، ما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، في حادثة أعادت الجدل مجدداً حول طبيعة استهداف مواقع الحشد الشعبي في العراق وسط التصعيد العسكري في المنطقة.
ووفقاً لمصادر أمنية محلية، فإن الضربات الجوية استهدفت ثلاثة مواقع عسكرية في منطقة عكاشات قرب الحدود العراقية-السورية، شملت مقرات الطبابة والفوج الثاني وموقع الدعم اللوجستي التابع للواء 19 المعروف باسم “أنصار الله الأوفياء”.
وأفادت المصادر أن القصف أسفر عن مقتل نحو 35 مقاتلاً وإصابة قرابة 90 آخرين بجروح متفاوتة، بعضها وصفت بالخطرة، فيما واصلت الطائرات التي نفذت الضربة التحليق في أجواء المنطقة لساعات بعد الهجوم.
كما أشارت المعلومات الأولية إلى أن فرق الإسعاف التي حاولت الوصول إلى مواقع القصف لإخلاء المصابين تعرضت لصعوبات كبيرة في الوصول إلى الموقع، الأمر الذي أدى إلى تأخير عمليات الإنقاذ ونقل الجرحى إلى المستشفيات.
اتهامات متبادلة حول الجهة المنفذة
ولم تعلن أي جهة رسمياً مسؤوليتها عن الضربة حتى الآن، فيما اتهمت حركة أنصار الله الأوفياء في بيان لها الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء الهجوم، معتبرة أن الضربة تهدف إلى “فتح ثغرات أمام التنظيمات الإرهابية وإعادة الفوضى إلى المنطقة”.
وفي المقابل، لم يصدر تعليق رسمي من الجانب الأميركي أو الإسرائيلي بشأن هذه الضربة، وهو ما أبقى مسألة الجهة المنفذة في إطار التكهنات والتحليلات العسكرية.
موقع حساس قرب الحدود
وتقع منطقة عكاشات في قضاء القائم على الشريط الحدودي مع سوريا، وتعد من المناطق الاستراتيجية التي شهدت خلال السنوات الماضية عمليات عسكرية واسعة ضد تنظيم داعش، كما أنها تمثل ممراً أمنياً مهماً لمراقبة الحدود ومنع تسلل التنظيمات المتطرفة بين البلدين.
وشهدت هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة انتشاراً لقوات الجيش العراقي والحشد الشعبي، إلى جانب عمليات أمنية مستمرة لملاحقة خلايا تنظيم داعش التي ما تزال تنشط في بعض مناطق الصحراء الغربية.
الحشد الشعبي: مؤسسة رسمية أم فصائل مسلحة؟
ويُعد الحشد الشعبي في العراق مؤسسة أمنية رسمية أُنشئت عام 2014 بعد فتوى “الجهاد الكفائي” التي أطلقتها المرجعية الدينية لمواجهة تنظيم داعش، قبل أن يتم تنظيمه قانونياً وإدماجه ضمن المنظومة الأمنية العراقية بموجب قانون أقره البرلمان عام 2016.
وبحسب الإطار القانوني المعتمد في العراق، فإن هيئة الحشد الشعبي ترتبط إدارياً ورسمياً برئاسة الوزراء وتخضع للقائد العام للقوات المسلحة، شأنها شأن بقية التشكيلات العسكرية والأمنية في البلاد.
وقد لعبت قوات الحشد دوراً محورياً في المعارك ضد تنظيم داعش، خصوصاً في محافظات صلاح الدين والأنبار ونينوى، وساهمت في استعادة العديد من المدن التي كان التنظيم يسيطر عليها بين عامي 2014 و2017.
غير أن الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية تنظر إلى الحشد الشعبي من زاوية مختلفة، إذ ترى أن بعض الفصائل المسلحة المنضوية تحت مظلته ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، وتتهمها بتنفيذ هجمات ضد قوات أميركية في العراق وسوريا.
وبناءً على هذه القراءة، صنفت واشنطن خلال السنوات الماضية عدداً من الفصائل العراقية ضمن قوائم الإرهاب، من بينها حركة أنصار الله الأوفياء التي أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عام 2024 إدراجها ضمن التنظيمات الإرهابية بعد اتهامها بتنفيذ هجمات ضد قوات أميركية في الأردن وسوريا.
سجل الضربات ضد مواقع للحشد
وخلال الأعوام الماضية، تعرضت مواقع مرتبطة بالحشد الشعبي أو بفصائل عراقية مسلحة لعدة ضربات جوية، بعضها نُسب إلى الولايات المتحدة في إطار الرد على هجمات استهدفت قواعدها العسكرية في العراق وسوريا، فيما اتُهمت إسرائيل بتنفيذ ضربات أخرى في مناطق مختلفة داخل العراق.
وشملت هذه الضربات في أوقات متفرقة مواقع في القائم غرب الأنبار، وجرف الصخر في محافظة بابل، ومناطق قرب الموصل في نينوى، إضافة إلى مواقع أخرى في ديالى وكركوك، بحسب تقارير إعلامية عراقية ودولية.
وغالباً ما تبرر الولايات المتحدة هذه العمليات بأنها تأتي في إطار الدفاع عن قواتها المنتشرة في المنطقة أو لمنع هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة تستهدف قواعدها العسكرية.
جدل مستمر داخل العراق
وتثير مثل هذه الضربات جدلاً سياسياً وأمنياً واسعاً داخل العراق، إذ يرى مسؤولون عراقيون أن استهداف مواقع الحشد الشعبي يمثل انتهاكاً للسيادة العراقية، نظراً لكونه مؤسسة أمنية رسمية ضمن منظومة الدولة.
في المقابل، تعتبر الولايات المتحدة أن بعض الفصائل المسلحة داخل العراق تشكل تهديداً لقواتها ومصالحها في المنطقة، وهو ما يضع العراق في موقع حساس بين التزامات الدولة الأمنية من جهة، والتوترات الإقليمية المتصاعدة من جهة أخرى.
وفي ظل استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، يرى مراقبون أن العراق قد يبقى ساحة غير مباشرة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل أي حادث أمني في مناطقه الحدودية قابلاً للتحول سريعاً إلى ملف سياسي وأمني معقد.








