حرية – (19/11/2023)
“ذراع الميزان” قرية صغيرة تقبع على سفح جبل تيزي وزو (على بعد 30 كلم من جنوب سواحل البحر الأبيض المتوسط، وعلى بعد 100 كلم شرق العاصمة الجزائرية)، لا يزال سكانها متمسكين بالعادات والتقاليد، ولا شيء يلفت الأنظار فيها سوى أشجار الزيتون المباركة.
“تتجاوز شجرة الزيتون في منطقة القبائل المعطى الفلاحي والاقتصادي إلى كونها موروثاً ثقافياً وحضارياً توارثته الأجيال جيلاً بعد جيل”، هكذا استهلت السيدة وردية حديثها إلى “النهار العربي” عن موسم جني الزيتون في منطقة القبائل.
بعد شهري تموز (يوليو) وآب (أغسطس) الملتهبين، ومع هبوب نسائم الخريف وبداية غصات المطر المهدور، حان الوقت لكبير العائلة لتجنيد الأسرة في رحلة جني الزيتون من شروق الشمس حتى غروبها.
“عملية جني ما جادت به الأشجار المباركة، تنطلق عادة في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)، وتنتهي قبل حلول موجة البرد والثلوج التي تكسو عادة الجبال في هذه المنطقة انطلاقاً من كانون الأول (ديسمبر)، وتستمر مدة القطف شهراً ونصف الشهر”، حسبما قالته وردية، وهي واحدة من العارفات بخبايا القطف ومراحل عصر الزيتون بالطرق التقليدية.
تراجع الإنتاج
وتقضي العائلات ساعات طويلة في سفوح الجبال والمرتفعات، تتغذى مما تجود به الأرض من نعم وخيرات برية، تطهو الطعام باستخدام الحطب على الطريقة التقليدية.
وتشرح محدّثتنا خبايا الجني، وتقول: “ثمة من يفضل جني الثمار التي لونها أخضر، فهي تستعمل للأكل والتخليل، لأن كمية الزيت تكون فيها قليلة وثمرتها أكثر جودة ويمكن الاحتفاظ بها لفترة طويلة جداً من دون أن يصيبها التلف، أما إن كان جني الزيتون من أجل الزيت فيفضل الانتظار حتى تنضج الثمار ويميل لونها إلى السواد”.
وبعد الانتهاء من عملية الجني، تقول إنه “يفضل تلقين الأشجار وتسميدها باستخدام الغبار والأسمدة”.
تبدو وردية وأصحاب الأرض في المنطقة متفائلين بمحصول الموسم، على رغم أن “مردود الزيتون تراجع كثيراً في السنوات الأخيرة، ففي عامي 2017 و2018 تجاوزت كمية الزيت عتبة 700 ألف ليتر، بينما لا تتجاوز كمية الزيت المعصورة حالياً 400 ألف ليتر سنوياً”.
وترجع أسباب تراجع إنتاج زيت الزيتون في السنوات الأخيرة إلى “الإجهاد الكبير الذي تعرضت له الأشجار نتيجة ارتفاع درجات الحرارة أكثر من معدلاتها الاعتيادية خلال الفترة التي يتم فيها تشكيل الزيت في ثمار الزيتون، وهو ما يستدعي اليوم تأخير قطف الثمار ما أمكن للاستفادة من انخفاض درجات الحرارة وزيادة الرطوبة الجوية، ما يساعد على الإنتاج وزيادة نسبة استخلاص الزيت”.
وتكشف إحصاءات المجلس الدولي للزيتون لموسم 2020 – 2021، أن الجزائر تحتل المرتبة الثالثة عربياً في الاستهلاك الذي ناهز 73 مليوناً و40 ألف ليتر.
قلة الاعتناء بالأشجار
شريف، مزارع زيتون آخر من القرية ذاتها، يملك هو وأشقاؤه قطعة أرض فيها أكثر من 300 شجرة زيتون، يقول لـ”النهار العربي” إن “تراجع إنتاج الزيتون غير مرتبط فقط بالتغييرات المناخية، بل يعود أيضاً إلى قلة الاهتمام بهذه الشجرة المباركة”.
وفي نظره فإن “هذه الشجرة معرضة إلى الإصابة بأمراض فطرية وبكتيرية وفي الغالب تستهدف الأوراق والثمار، ولأن معالجتها تكبّد المزارعين تكلفة باهظة، فمعظمهم يتغاضون عن التسميد وحتى عن الري في ظروف صعبة مثل هذه”.
وشجرة الزيتون تعتبر من النباتات الأكثر مقاومة للجفاف، غير أنها في حاجة ماسة إلى كميات إضافية من المياه، فالزيتون ينمو ضمن معدلات أمطار من 200 -1100 ملم سنوياً ويرتبط إنتاجه إلى حد كبير بكمية التساقط وتوزعها ودرجة احتفاظ التربة بالماء، لذلك فإن الإنتاج يتأثر كثيراً بظروف انحباس الأمطار وعدم وجود مصادر للري، وباختصار فالأشجار تحتاج إلى ما لا يقل عن 400 ملم سنوياً من الأمطار.
وينتقد المزارع بشدة “غياب الدعم، مع أن زيت الزيتون الجزائري تصدر في السنوات الأخيرة الترتيب بحصوله على مراكز متقدمة في المسابقات الدولية التي تتنافس فيها كبريات العلامات المشهورة في هذا المجال”.
ووفق رأيه، فإن “هذه المادة بإمكانها أن تلعب دوراً أساسياً في الحياة الاقتصادية، لا سيما أنها تمثل 15 في المئة من المنتوج الفلاحي للبلاد، و5.5 في المئة من الصادرات الفلاحية العامة، وهو ما يجعلها تحتل مرتبة متقدمة على قائمة مصادر العملات الأجنبية في الجزائر”.
.jpg)
صعوبات عديدة
رئيس اللجنة الوطنية لشعبة زيت الزيتون أرزقي تودرت شرح لـ”النهار العربي” أن “هذا الميدان يواجه صعوبات عدة، من بينها قلة المختبرات الكيميائية”.
وأشار إلى “غياب رؤية واضحة للتصنيع في هذا المجال”، مستدلاً مثلاً بأن “القارورات الزجاجية الخاصة بتعبئة الزيت تستورد من تونس، وهو ما يكلف أموالاً باهظة”، مشدداً أيضاً على ضرورة “عصرنة المعاصر التقليدية لتحقيق جودة المنتج والميزات التنافسية”.
وبهدف تنظيم القطاع أكثر، يقترح “استحداث ديوان خاص بهذا المنتوج، يعمل على تنظيم القطاع وتطويره، ويكلف أيضاً بجمع كل المحصول بعد عملية العصر ومن ثم تصنيفه وتسويقه على مستوى السوق المحلية أو تصديره نحو الأسواق الخارجية”.

وكان وزير التجارة الجزائري السابق كمال رزيق قد أعلن أن زيت الزيتون الجزائري يصدر إلى 19 بلداً، وقال إن “هذا الرقم دون المستوى نظراً إلى الإمكانيات التي تحوزها البلاد في هذه الشعبة”.
وخلال إشرافه مطلع العام الماضي على إطلاق فعاليات الأبواب الوطنية المفتوحة بشأن تصدير زيت الزيتون ومشتقاته، كشف أن الجزائر صدرت 600 ألف ليتر من هذه المادة خلال 2021، إلى نحو 19 بلداً ومن طرف 78 شركة مصدرة أي ما يعادل مبلغ مليوني دولار.







