وكالة حرية | الاثنين 29 ايلول 2025
آدم أس. بوسن
لقد دخل الاقتصاد العالمي حقبة ما بعد أميركا. فالتحول الجذري في النهج الاقتصادي الذي اتبعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد بدأ بالفعل في تغيير الأعراف والسلوكيات والمؤسسات على مستوى العالم. ومثّل زلزالاً كبيراً فأوجد معالم جديدة في المشهد الاقتصادي العالمي وجعل كثيراً من البنى الاقتصادية القائمة غير صالحة للعمل. لم يكن هذا الحدث كارثة طبيعية حتمية، بل خياراً سياسياً. لكن التغييرات التي يُحدثها أصبحت واقعاً دائماً، ولن تنجح أي ضمانات أو آليات في إعادة الوضع السابق إلى ما كان عليه تلقائياً.
ومن أجل فهم هذه التغييرات، يركز عديد من المحللين والسياسيين على مدى تحول سلاسل الإمداد والتجارة في السلع المصنّعة بين الولايات المتحدة والصين. لكن هذا التركيز ضيق للغاية. فطرح سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أو الصين ستظلان محور الاقتصاد العالمي، أو النظر بشكل رئيس إلى الموازين التجارية، يمثل تقليلاً كبيراً من حجم وتأثير مقاربة ترمب الجديدة، ومن مدى شمولية الإطار الأميركي السابق الذي كان يشكل أساس القرارات الاقتصادية التي اتخذتها تقريباً كل دولة ومؤسسة مالية وشركة حول العالم.
في الجوهر، كانت المنافع العامة العالمية التي وفرتها الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مثل حرية الملاحة الجوية والبحرية الآمنة، وضمان حماية الملكية من المصادرة، وقواعد التجارة الدولية، والأصول الدولارية المستقرة لإجراء المعاملات التجارية وحفظ الأموال، يمكن اعتبارها جميعها من الناحية الاقتصادية، شكلاً من أشكال التأمين. فقد جمعت واشنطن أقساط هذا التأمين من الدول المنضوية في نظامها بطرق شتى، أبرزها فرض قواعد جعلت الاقتصاد الأميركي الوجهة الأكثر جذباً للمستثمرين. وفي المقابل، لم تعد المجتمعات المشاركة مضطرة لبذل جهد كبير في حماية اقتصاداتها من المخاطر وعدم اليقين، مما أتاح لها التفرغ للنشاط التجاري الذي ساعدها على الازدهار.
كانت هناك ضغوط تتراكم داخل هذا النظام قبل صعود ترمب. غير أنه، لا سيما في ولايته الثانية، حوّل دور الولايات المتحدة من ضامن عالمي إلى جابٍ للأرباح. ففي ظل النظام الجديد، انقلب دور الضامن، فلم يعد يوفر الحماية لحلفائه من التهديدات الخارجية، بل غدت بعض هذه التهديدات صادرة عنه بقدر ما هي من البيئة الدولية. وأصبحت إدارة ترمب تَعِد شركاءها بالحماية من هجماتها الخاصة مقابل ثمن أعلى من السابق. فقد هدد بحجب الوصول إلى الأسواق الأميركية على نطاق واسع؛ وجعل الحماية المرتبطة بالتحالفات العسكرية مشروطة صراحة بشراء الأسلحة والطاقة والمنتجات الصناعية الأميركية؛ وألزم الأجانب الراغبين في الاستثمار داخل الولايات المتحدة بدفع مبالغ جانبية تخدم أولوياته الشخصية؛ كما ضغط على المكسيك وفيتنام ودول أخرى للتخلي عن المدخلات الصينية أو الاستثمارات القادمة من الشركات الصينية. وهذه الإجراءات غير مسبوقة في تاريخ الحوكمة الأميركية الحديثة.
إن تخلي الولايات المتحدة عن دورها السابق كضامن سيبدل جذرياً سلوك شركاءها وشركاء هؤلاء الشركاء، ولكن على نحو مغاير لما يأمله ترمب. فالصين، الدولة التي يسعى معظم المسؤولين الأميركيين إلى تغيير سلوكها، ستكون على الأرجح الأقل تأثراً، فيما سيتكبد حلفاء الولايات المتحدة الخسائر الأكبر. ومع مشاهدة بقية شركاء واشنطن لمعاناة هؤلاء الحلفاء المعتمدين عليها، سيلجؤون إلى التأمين الذاتي بكلفة باهظة. وسيغدو ادخار الأصول أصعب، والاستثمار الخارجي أقل جاذبية. ومع تزايد انكشافهم على المخاطر الاقتصادية والأمنية العالمية، ستكتشف الحكومات أن التنويع الخارجي والسياسة الاقتصادية الكلية باتا أداتين أقل فاعلية للحفاظ على استقرار اقتصاداتها.
يرى بعض المراقبين أن الموقف الجديد الذي يتبناه ترمب قد يقود ببساطة إلى إعادة اصطفاف إيجابية. ووفق هذا الرأي، فإن برنامجه، على الرغم من أنه يفرض على الحكومات والشركات دفع كلفة أعلى مقابل عائد أقل، سيجد العالم نفسه متقبلاً له في نهاية المطاف باعتباره الوضع الطبيعي الجديد، وبما يصب في مصلحة الولايات المتحدة. غير أن هذا محض وهم، إذ إن العالم الذي يصوغه برنامج ترمب سيجعل الجميع خاسرين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة ذاتها.
جنة الابتزاز الاقتصادي
تخيل أنك كنت محظوظاً بما يكفي لترث قطعة أرض على شاطئ البحر، لطالما منحتك إطلالة خلابة وإمكانية الوصول المباشر إلى الشاطئ. ومع ذلك، لم تستثمر في بناء منزل فخم على تلك الأرض إلا عندما ظهرت شركة منظّمة وموثوقة بما يكفي لتقدم تأميناً مناسباً للمنزل. وبالطبع، كان عليك أن تدفع ثمناً باهظاً لقاء ذلك. لكن تأمين هذه الشركة لم يقتصر عليك وحدك، بل مكنت أيضاً مالكي الأراضي المجاورة من البناء، الأمر الذي ألهم إنشاء حي مزدهر يضم طرقاً وشبكات مياه وأبراج اتصالات وارتفاعاً في قيم العقارات. والأهم من كل ذلك هو أنه طالما واصلتَ دفع أقساط التأمين ضد الفيضانات والأعاصير، فإن أي استثمارات إضافية تقوم بها في ممتلكاتك ستظل منخفضة المخاطر.
في الواقع، هذا هو الوضع الاقتصادي الذي عمل فيه جزء كبير من العالم على مدى ما يقرب من 80 عاماً. فقد جنت الولايات المتحدة فوائد هائلة من خلال لعب دور المزود الأول للتأمين في العالم بعد الحرب العالمية الثانية. ومن خلال تولي هذا الدور، حافظت أيضاً على بعض السيطرة على السياسات الاقتصادية والأمنية في الدول الأخرى من دون الحاجة إلى اللجوء إلى تهديدات قاسية. وفي المقابل، حظيت الدول المشاركة في النظام بالحماية من أشكال متعددة من المخاطر. فتفوق واشنطن العسكري وآليات النظام الدولي التي فرضتها سمحت للحدود الوطنية بأن تبقى مستقرة إلى حد كبير؛ وتمكنت معظم الاقتصادات من الازدهار من دون التعرض لخطر الغزو. وبين عامي 1980 و2020، تقاربت مستويات الدخل بوجه عام، سواء بين الدول المشاركة في هذا النظام أو داخل كل دولة منها.
واستمرت الاختلالات الاقتصادية، وكانت الولايات المتحدة نفسها في بعض الأحيان وراءها. ومع ذلك، فقد كان نظام التأمين العالمي هذا مربحاً للجميع تقريباً من حيث الاستقرار الاقتصادي والابتكار والنمو. إذ تراجع العنف والحروب إجمالاً، وأصبحت الدول الفقيرة أكثر قدرة على دمج اقتصاداتها بالأسواق الأعلى دخلاً التي انفتحت أمام التجارة. وربما كان هذا الأمان قائماً على وهم جماعي بأن الحفاظ على استقرار الجغرافيا السياسية لا يتطلب سوى استثمار عسكري محدود وإجراءات بسيطة. ومع ذلك، استمر النظام لعقود، لأن صناع السياسة الأميركيين في كلا الحزبين قدّروا أهميته، ولأن عدداً كافياً من الأطراف الخارجية آمنوا به واستفادوا منه.
أما الآن، فقد اختفى ذلك الشعور بالأمان. تخيل، مرة أخرى، منزلك الافتراضي المطل على الشاطئ. بدأت بعض التهديدات التي تواجه ممتلكاتك تتزايد، فمنسوب مياه البحر آخذ في الارتفاع، والأعاصير تزداد فتكاً. ولكن بدلاً من مجرد رفع قسط التأمين الذي تسدده، قامت شركة التأمين، التي لطالما وثقت بها ودأبت على دفع مستحقاتها بإخلاص، بدأت فجأة ترفض مطالباتك بالتعويض عن الأضرار ما لم تدفع ضعف القسط الرسمي وتمنحها شيئاً إضافياً تحت الطاولة أيضاً. وحتى لو سددت المبلغ المطلوب، فإن الشركة تعود لتخبرك بأنها ستضاعف سعر قسطك ثلاث مرات العام مقابل تغطية أقل شمولاً. ولا تتوفر لديك جهات تأمين بديلة. وفي هذه الأثناء، تبدأ ضرائبك بالارتفاع، فيما تصبح خدماتك العامة اليومية أقل انتظاماً بسبب الأعباء التي تلقيها جهود الاستجابة للكوارث على مجتمعك.
لقد حققت الولايات المتحدة أرباحاً طائلة من كونها مزوداً للتأمين
ليس ترمب وحده المسؤول عن انهيار النظام الاقتصادي الذي استمر 80 عاماً؛ فهناك قائمة طويلة من العوامل المساهمة، أي التهديدات الكامنة التي لا علاقة لها بـ”شركة التأمين” في التشبيه الخاص ببيت الشاطئ. فقد لعب صعود الصين، ورد فعل الولايات المتحدة، دوراً في ذلك. وكذلك فعل تغير المناخ، وتطور تكنولوجيا المعلومات، وفقدان الناخب الأميركي، بشكل مفهوم، ثقته بالنخب الحاكمة بعد تدخل البلاد في أفغانستان والعراق، والأزمة المالية العالمية في 2008 – 2009، وجائحة كورونا.
لكن سياسات إدارة ترمب تمثل نقطة تحول واضحة. فمؤيدو الرئيس يصورونها أحياناً على أنها مجرد إعادة تسعير للمخاطر، حيث يقوم “مزود التأمين” في العالم الحر بتعديل رسومه وخدماته لتتلاءم مع الحقائق الجديدة وتصحيح ميل سابق إلى تسعيرها بأقل من قيمتها. غير أن هذا التصور مضلل؛ إذ أوضحت إدارة ترمب أنها تريد من الولايات المتحدة أن تدير نظاماً مختلفاً كلياً، يقوم على استغلال حالة عدم اليقين والإبقاء عليها وسيلة لانتزاع أكبر قدر من المكاسب مقابل أقل عائد ممكن.
وقد يرى ترمب ومستشاروه بأن ما يقومون به ليس سوى معاملة بالمثل أو إنصاف في التعامل مع الدول التي، برأيهم، استغلت الولايات المتحدة لعقود. لكن تلك الدول لم تحصل قط على ما يوازي، ولو على نحو ضئيل، ما جنته الولايات المتحدة: قروض طويلة الأجل زهيدة التكلفة لحكومتها؛ واستثمارات أجنبية ضخمة تفوق نسبياً ما تلقته أي دولة أخرى في الشركات الأميركية والقوى العاملة الأميركية؛ والتزام شبه عالمي بالمعايير التقنية والقانونية الأميركية التي صبّت في مصلحة المنتجين الأميركيين؛ والاعتماد على النظام المالي الأميركي في معظم المعاملات والاحتياطيات العالمية؛ والامتثال لمبادرات واشنطن في ما يخص العقوبات؛ وتحمّل تكاليف تمركز القوات الأميركية؛ والاعتماد الواسع على صناعتها الدفاعية؛ والأهم من ذلك كله، الارتفاع المتواصل في مستوى المعيشة الأميركي. لم تجنِ الولايات المتحدة أرباحاً هائلة من دورها كمزوّد للتأمين يحظى بتقدير الآخرين فحسب، بل تخلى حلفاؤها أيضاً عن عديد من القرارات الأمنية المهمة لصالحها.
في الواقع، إن ميزة توفير التأمين تكمن في أنه على مدى سنوات طويلة، لا تحتاج إلى القيام بأي عمل أو دفع أي شيء لتحصيل أقساطك. وهذا ينطبق بشكل أكبر على شكل التأمين الاقتصادي الذي وفرته الولايات المتحدة عالمياً مقارنة بالتأمين المنزلي، لأن مجرد وجود الضمانات الأمنية الأميركية خفض التهديدات الفعلية التي تواجه حاملي بوالص التأمين [أي المستفيدين من السياسات]. وقد أدى ذلك إلى انخفاض التعويضات المدفوعة. لكن إدارة ترمب تتخلى عن هذا النموذج التجاري المربح والمستقر لصالح نموذج يرسخ مساراً معاكساً. سيقل عدد العملاء تدريجياً، لكن كلاً منهم سيواجه مخاطر أكبر. وقد بدأت بالفعل الشركات والحكومات والمستثمرون في تغيير ممارساتهم بشكل جذري، ساعين إلى اعتماد التأمين الذاتي بدلاً من الاعتماد على الغير.
المواجهة أو الفرار
إن النهج الذي يتبعه ترمب سيلحق الضرر الأكبر بالاقتصادات الأكثر ارتباطاً بالاقتصاد الأميركي، التي اعتبرت قواعد اللعبة السابقة أمراً مفروغاً منه، مثل كندا، واليابان، والمكسيك، وكوريا الجنوبية، والمملكة المتحدة. لنأخذ اليابان على سبيل المثال: لقد راهنت على الولايات المتحدة على المدى الطويل، مستثمرة بشكل كبير في الإنتاج داخل الأراضي الأميركية لأكثر من 45 عاماً، ونقلت معها ابتكاراتها التكنولوجية والإدارية. كما أنها وضعت جزءاً أكبر من مدخرات شعبها في سندات الخزانة الأميركية لفترة أطول من أي اقتصاد آخر. وافقت اليابان على أن تكون بمثابة حاملة الطائرات العائمة للولايات المتحدة على الخط الأمامي مع الصين، كما أنها تستضيف القوات الأميركية في أوكيناوا على الرغم من المعارضة المحلية المتزايدة. كما دعمت اليابان إدارة ترمب الأولى في مجموعة السبع ومجموعة العشرين، وتبعت إدارة بايدن في فرض عقوبات موازية على روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، ومنذ عام 2013 رفعت إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ بما يتماشى مع أولويات السياسة الأميركية.
حتى هذا العام، كانت اليابان تتمتع بتغطية تأمينية موثوقة من الدرجة البلاتينية. وكان المستثمرون والشركات اليابانية على يقين من قدرتهم على طرح منتجاتهم في السوق الأميركية بشروط تنافسية، وتحريك مدخراتهم بين سندات الخزانة الأميركية والأصول المقومة بالدولار عند الحاجة، والاستثمار بأمان في الإنتاج داخل الولايات المتحدة. وقد بُنيت الاستراتيجية الاقتصادية لليابان في فترة ولاية ترمب الثانية على افتراض استمرار هذه التغطية، وإن بتكلفة أعلى. ففي عامي 2023 و2024، أعلنت الشركات اليابانية عن خطط استثمارية تؤكد استعدادها لضخ المزيد من رؤوس الأموال في الصناعات الأميركية، بما فيها القطاعات غير التنافسية مثل الصلب، والتنازل عن جزء من حصتها في السوق الصينية من أجل تنسيق خطواتها مع واشنطن.
أفضى الاتفاق التجاري الذي أُعلن عنه في منتصف يوليو (تموز) بين الولايات المتحدة واليابان إلى تحميل طوكيو تكاليف تفوق التوقعات، وتقليص مستوى التغطية التي كانت تتمتع بها. فقد فُرضت رسوم جمركية بنسبة 15 في المئة، أي 10 أضعاف معدلاتها السابقة، طالت السيارات وقطع الغيار والصلب وسائر الصناعات اليابانية الرئيسة. كما ألزِمت اليابان بإنشاء صندوق يستثمر ما يعادل 14 في المئة إضافية من ناتجها المحلي الإجمالي داخل الولايات المتحدة، على أن تُصرف هذه الأموال وفقاً لتقدير ترمب الشخصي، مع اقتطاع حصة من الأرباح لصالح واشنطن. ويمثل ذلك انتقاصاً كبيراً من العوائد التي كان المدخرون اليابانيون يتوقعونها ومن مستوى سيطرتهم عليها، مقارنة باستثماراتهم السابقة في القطاع الخاص التي لم تكن خاضعة لمثل هذا الإشراف التعسفي من الحكومة الأميركية. وإلى جانب ذلك، فإن البنود الصريحة التي تُلزم اليابان بشراء الطائرات الأميركية والأرز ومنتجات زراعية أخرى، ودعم استخراج الغاز الطبيعي في ألاسكا، تعرض البلاد لمخاطر جديدة. وحتى إذا التزمت طوكيو بتنفيذ الاتفاق، فإنها ستبقى عرضة لاحتمال اتخاذ ترمب قرارات أحادية الجانب برفع أقساطها وتقليص تغطيتها أكثر. وفي الوقت نفسه، تقلّص التسهيلات الأخيرة التي منحتها واشنطن للصين في تجارة أشباه الموصلات من المكاسب التي كانت اليابان تجنيها من اتباع مسار اقتصادي قائم على التحالف مع الولايات المتحدة.
لن يقبل حلفاء الولايات المتحدة “إعادة التوازن” التي يُفرض عليهم
وتوقعت إدارة ترمب أن يدفع حلفاؤها الرئيسيون ببساطة أي ثمن مقابل الحماية الأميركية. وحتى الآن، اتبعت اليابان والمكسيك والفلبين والمملكة المتحدة النهج الأقرب لما توقعته إدارة ترمب. فعلى المدى القريب، قررت هذه الدول أن مصيرها يجب أن يكون مرتبطاً بالولايات المتحدة مهما كلفها ذلك. لكن ترمب لم يدرك أن قرب الحلفاء من الولايات المتحدة سيجعلهم يعتبرون موقف واشنطن الجديد خيانة صادمة. فقد انخفضت شعبية الولايات المتحدة بشكل حاد. ففي استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في ربيع 2025 حول المواقف تجاه الولايات المتحدة، انخفضت نسبة المواطنين اليابانيين الذين ينظرون إليها بشكل إيجابي بنسبة 15 نقطة مئوية عن العام السابق؛ وانخفضت نسبة التأييد لها بمقدار 20 نقطة بين الكنديين و32 نقطة بين المكسيكيين. هذا التغير الكبير والسلبي يُظهر الشعور بخيبة الأمل الذي لا يمكن أن يشعر به إلا من استثمر بصدق في العلاقة.
ستُقيّد اعتبارات الأمن القومي، والروابط الاقتصادية والسياسية القائمة، والقرب الجغرافي، في حالة كندا والمكسيك، قدرة أقرب حلفاء الولايات المتحدة على تقليص اعتمادهم الاقتصادي عليها، حتى لو أرادوا ذلك. ومع ذلك، لديهم مجال أوسع للقيام بذلك مما يدركه مؤيدو نهج ترمب الاقتصادي. فقد قاومت كندا محاولات ترمب الأحادية لإعادة تعديل اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لعام 2020، وفرض رسوم جمركية مرتفعة وغير متكافئة على السلع الكندية. وفي يوليو، أعلن رئيس الحكومة مارك كارني وجميع رؤساء المقاطعات الكندية أنهم، سعياً لتقليل اعتماد البلاد على الولايات المتحدة، اتفقوا على الحد من تنازلاتهم أمام مطالب ترمب المتزايدة، والعمل بفاعلية على تعزيز التكامل الداخلي. كما تعهّد كارني بتوسيع التجارة مع الاتحاد الأوروبي وكيانات أخرى.
أما حلفاء الولايات المتحدة المقربون الآخرون مثل أستراليا وكوريا الجنوبية، فمن المرجح أن يقرروا على المدى القريب أن ليس أمامهم خيار سوى أن يربطوا مصيرهم بواشنطن. ومع مرور الوقت، قد يسأم الحلفاء من الفوائد المتناقصة التي يجلبها الاسترضاء ويعيدون توجيه استثماراتهم. وعلى غرار كندا، سيحاولون توسيع علاقاتهم مع الصين والاتحاد الأوروبي ورابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان). لكن إعادة التوجيه هذه ستؤدي إلى نتيجة أسوأ لجميع هذه الاقتصادات. فقد اعتمدوا اقتصادياً على الولايات المتحدة لسبب وجيه؛ فلو كانت هناك أسواق واستثمارات ومنتجات بديلة توازيها في القيمة، لكانوا قد اختاروها منذ البداية. ومن دون التأمين الأميركي العادل، تفقد العلاقة الاقتصادية قيمتها السابقة تماماً.
التخلف عن الركب
ضرب الزلزال الذي أحدثه ترمب كتلاً اقتصادية كبرى أخرى أيضاً. لطالما كانت رابطة دول جنوب شرقي آسيا والاتحاد الأوروبي أقل توافقاً مع الولايات المتحدة في السياسات الاقتصادية والأمنية مقارنة بالحلفاء الخمسة الأكثر ارتباطاً بها (كندا، واليابان، والمكسيك، وكوريا الجنوبية، والمملكة المتحدة). هذان التكتلان متنوعان، إذ يضمان تخصصات تجارية وميزات واتجاهات سياسية مختلفة بين أعضائهما. ومع ذلك، فقد بنت هاتان الكتلتان والدول الأعضاء فيهما، وبخاصة ألمانيا وفرنسا وهولندا وسنغافورة والسويد وفيتنام، سلوكها الاقتصادي على أساس التأمين الذي قدمته الولايات المتحدة سابقاً. ونتيجة لذلك، لعبت أدواراً رئيسة في سلاسل التوريد الأميركية وفي الاستثمارات التكنولوجية. كما ضخت حكوماتها ومواطنوها الأموال في الاقتصاد الأميركي من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر، وشراء سندات الخزانة الأميركية، والمشاركة في سوق الأسهم الأميركية. كذلك وافقت على الانضمام إلى أنظمة العقوبات والرقابة على الصادرات الأميركية، وإن كان ذلك بدرجة أقل انتظاماً، ودعمت بشكل مباشر الجيش الأميركي.
لكن ترمب أخضع هذه الدول الآن لرسوم جمركية ضخمة وتهديدات بفرض مزيد منها، فضلاً عن مطالب ثنائية [أي بين الولايات المتحدة وكل دولة على حدة] للحصول على تنازلات معينة ومدفوعات إضافية، مثل مطالبته بشراء مزيد من الغاز الطبيعي الأميركي أو نقل الإنتاج الصناعي إلى الولايات المتحدة. ولدى هذه الأطراف الاقتصادية الآن بدائل أوسع تسمح لها بتحديد إلى أي مدى تريد الاستثمار في الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة. كما أن هذه الدول تغيّر سلوكها بوتيرة أسرع، مما يعزز الروابط الاقتصادية في ما بينها ومع الصين. فقد كانت رابطة آسيان والاتحاد الأوروبي ترتبطان منذ البداية بعلاقات تجارية أوثق مع الصين مقارنة بالولايات المتحدة، وهذه الفجوة آخذة في الاتساع الآن، ليس فقط بفعل نمو الاقتصاد الصيني، بل أيضاً بسبب القيود التي تفرضها واشنطن على صادراتها ووارداتها من الصين وعلى استثماراتها هناك. وخلال العقد الماضي، ارتفعت حصة المدخلات الصينية في سلاسل التوريد الصناعية الأوروبية وجنوب شرقي آسيا بشكل حاد، في حين تراجعت حصة الولايات المتحدة.
لا يستطيع الاتحاد الأوروبي ولا رابطة دول جنوب شرقي آسيا عزل الصين اقتصادياً. ومع انسحاب الولايات المتحدة من الساحة، ستزداد مكاسب التعامل التجاري مع بكين. صحيح أن التجارة مع الصين لا تعوّض التأمين الذي كانت الولايات المتحدة توفره سابقاً، لكن مع جعل نظام ترمب الولايات المتحدة أقل تنافسية كموقع للإنتاج، ومع تقليصه الوصول إلى السوق الأميركية (وما يترتب على ذلك من إضعاف إمكانات نموها)، فإن توسيع التجارة والاستثمار مع الصين يمكن أن يوفر للكتلتين تعويضاً جزئياً. وبصفتهما كيانين اقتصاديين كبيرين، تملك الدول الآسيوية والأوروبية قدرة أكبر على سلوك مسار مغاير، حتى وإن تطلّب ذلك إنفاقاً أكبر على التأمين الذاتي مما اعتادت عليه. فعلى سبيل المثال، ارتفعت طلبات شراء طائرات “يوروفايتر” بديلاً عن الطائرات المقاتلة الأميركية بين أعضاء الناتو مثل إسبانيا وتركيا. وفي ربيع 2025، أبرمت الحكومة الإندونيسية صفقات اقتصادية جديدة مع الصين، من بينها مشروع “توأمة” بين حديقتين صناعيتين يربط جاوة الوسطى بمقاطعة فوجيان وتبلغ قيمته نحو 3 مليارات دولار، ومن المتوقع أن يوفر آلاف الوظائف في إندونيسيا في وقت لا تقدم فيه الولايات المتحدة شيئاً مشابهاً. كما اتفق البنك المركزي الإندونيسي وبنك الشعب الصيني على تعزيز التجارة بالعملات المحلية، وتعهد البلدان بتقوية تعاونهما البحري، وقد فاجأ كلا الاتفاقين صنّاع السياسات الأميركيين.

عرض لمؤشرات سوق الأسهم، ساو باولو، البرازيل، يوليو (تموز) 2025
والأهم من ذلك أن السياسة الاقتصادية لترمب تعزز وتسرع عملية انقسام الأسواق الناشئة إلى مستويين واضحين من حيث قدرتها على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية الكلية. ففي أزمتي 1998-1999 و2008-2009 الماليتين، تكبدت حتى أكبر الاقتصادات الناشئة، مثل البرازيل والهند وإندونيسيا وتركيا، خسائر فادحة. لكنها أصبحت اليوم أكثر مرونة وصموداً بشكل ملحوظ، بفضل الإصلاحات الداخلية من جهة، والفرص الجديدة للتصدير والاستثمار التي وفرتها الدول الأغنى، بما فيها الصين، من جهة أخرى. وخلال جائحة كورونا والارتفاع الحاد اللاحق في أسعار الفائدة الذي فرضه الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، لم تتعرض اقتصادات هذه الدول لاضطرابات مالية كبيرة، إذ ظلت أكبر الأسواق الناشئة قادرة على تعديل سياساتها المالية والنقدية باستقلال نسبي.
وعلى العكس من الأسواق الناشئة الكبرى، غرقت عشرات الاقتصادات المنخفضة والمتوسطة الدخل في دوامة ديون مدمّرة. فمنذ عام 2000، تراجع دخلها الحقيقي بما يفوق المكاسب التي حققتها في العقد السابق، فيما ضيّق نهج ترمب الجديد أمامها أبواب الفرص الاقتصادية. أما تشجيعه الدول الناشئة الكبرى، لا سيما الهند، على تبني سياسات تضع الأولوية لمصالحها الوطنية، فقد زاد من عزلة الاقتصادات الأفقر وعمّق الهوة بينها وبين الاقتصادات الأقوى.
إن رأس المال يبحث عن الفرصة، لكنه يبحث أيضاً عن الأمان. وانسحاب الولايات المتحدة من دورها كضامن اقتصادي، واندفاع ترمب الحاد نحو تقليص المساعدات الخارجية والتنمية، سيعزز تفضيل المستثمرين للمواقع الأكثر استقراراً نسبياً. وبالتالي، فمن المرجح أن تبقى أفقر الدول في أميركا الوسطى وآسيا الوسطى والجنوبية وأفريقيا عالقة في مناطق اقتصادية هشة محدودة الخيارات، بينما ستصبح الأسواق الناشئة الأكبر والأكثر أهمية من الناحية الجيوسياسية أكثر جاذبية نسبياً. وستبرم بعض أفقر الدول صفقات، على سبيل المثال، من خلال منح الولايات المتحدة وصولاً مميزاً إلى مواردها أو قبول عودة مواطنيها الذين ترحّلهم واشنطن. ومع ذلك، لا يمكن أن تُحقق هذه الاستجابة النمو المستدام الذي تمتعت به عديد من الاقتصادات الناشئة في ظل نظام التأمين الأميركي السابق.
صلابة الأصول وسيولة الأموال
ربما يكون التغيير الأهم الذي أجرته الولايات المتحدة على نظامها التأميني هو تقليل سيولة الدولار، مما يُضعف أمان مَحافظ المدخرين حول العالم. فالأصول الأميركية التي كانت تُعتبر في السابق منخفضة المخاطر أو عديمة المخاطر لم يعد بالإمكان النظر إليها على أنها آمنة بالكامل. وسيكون لذلك تداعيات بعيدة المدى على توافر رأس المال العالمي وتدفقه.
خلال حملة دونالد ترمب الانتخابية عام 2024 ومنذ توليه منصبه، هدد كبار المسؤولين في إدارته مراراً بتقييد المستثمرين بالسندات الأميركية من دون خيار التخارج أو التسييل. وشملت هذه التهديدات، على سبيل المثال، إجبار الدول على استبدال ما تملكه حالياً من هذه السندات بديون أطول أجلاً أو دائمة، ومعاقبة الحكومات التي تشجع استخدام عملات غير الدولار، وفرض ضرائب أعلى على المستثمرين الأجانب مقارنة بنظرائهم المحليين. لم تُنفذ إدارة ترمب هذه التهديدات بعد. لكن تلك التهديدات، إلى جانب الهجمات المتكررة على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي والوعود بخفض قيمة الدولار، تعمل تدريجياً على تقويض الاستقرار المتصور للدولار ولسندات الخزانة الأميركية.
المشكلة الجوهرية هي أن العالم يملك مدخرات أكثر مما يملك من أماكن آمنة لإيداعها. فالاقتصادات الغنية ذات الفوائض النقدية، مثل الصين وألمانيا والسعودية، وكذلك أمثلة أصغر، ولكن لافتة مثل النرويج وسنغافورة والإمارات العربية المتحدة، لا تستطيع أن تبقي جميع مدخراتها داخل أوطانها لثلاثة أسباب. أولاً، سيفتقد المدخرون التنويع إذا ضربت صدمة محلية اقتصادهم. ثانياً، إن ضخ كميات ضخمة من المدخرات في هذه الأسواق الصغيرة في معظمها سيشوه أسعار الأصول، ويؤدي إلى فقاعات، وعدم استقرار مالي، وتحولات مفاجئة في أنماط التوظيف. وثالثاً، مثل هذه الدول لا تصدر ما يكفي من الديون العامة، على الأقل ليس بالقدر الذي يرغب الأجانب في الاحتفاظ به. لهذا السبب، وعلى مدى سنوات طويلة، استحوذت سوق سندات الخزانة الأميركية التي تتسم على نحو فريد بعمقها واتساعها وأمانها الظاهري، ومعها الأصول المقومة بالدولار بشكل عام، على الحصة الأكبر من فائض المدخرات العالمية.
الأصول الأميركية التي كانت تُعتبر سابقاً منخفضة أو منعدمة المخاطر لم تعد آمنة
من بين الفوائد العديدة التي قدمتها سندات الخزانة والأسواق الأميركية العامة للمستثمرين العالميين، كانت السيولة الوفيرة الأكثر جاذبية. فقد كان بإمكان المستثمرين تحويل الأصول التي يملكونها في هذه الأسواق إلى نقد من دون تأخيرات أو تكاليف تُذكر. وظلت قيمة استثماراتهم مستقرة. وخلافاً للأسواق الأصغر، لم تكن حتى أضخم المعاملات لتتسبب في تقلب الأسعار. ولم يكن على المستثمرين أن يقلقوا من رفض نظرائهم لوسيلة الدفع المستخدمة. ومع استثناء المجرمين المعروفين والكيانات الخاضعة للعقوبات، تمكن الجميع حول العالم من الاعتماد على استقرار ومرونة الاستثمارات المقومة بالدولار، الأمر الذي خفف بدوره من خطر تعرض الشركات لأزمات سيولة أو تفويت فرص استثمارية.
واستكمالاً لذلك، شكلت هيمنة الدولار، التي تجاوزت بكثير ما يمكن أن تبرره حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي أو التجارة العالمية، شكلاً آخر من أشكال التأمين الذي عاد بالنفع على الجميع. فقد جمعت الولايات المتحدة “أقساط التأمين” في صورة فوائد أقل على ديونها وأسعار صرف أكثر استقراراً، واستفاد من ذلك كل من حاملي الأصول الأميركيين والأجانب على حد سواء. وحتى عندما كانت الصدمات المالية أو الجيوسياسية تنشأ في الولايات المتحدة نفسها، كان المستثمرون يفترضون أن الاقتصاد الأميركي سيظل أكثر أماناً مقارنة بغيره. وعندما تسببت الأسواق الأميركية مباشرة في الركود العالمي عام 2008، انخفضت أسعار الفائدة والدولار بداية ثم ارتفعت مع تدفق رؤوس الأموال من الخارج إلى السوق الأميركية.
يبدو الآن أن الدولار يتصرف كما تفعل معظم العملات، أي إنه يتحرك في الاتجاه المعاكس لأسعار الفائدة. فحتى أبريل (نيسان) من هذا العام، كان الدولار مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالتحركات اليومية لعوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات. لكن منذ إعلان الإدارة عن الرسوم الجمركية في الثاني من أبريل (نيسان)، انعكس مسار هذا الارتباط بين أسعار الفائدة والدولار، في إشارة إلى أن عوامل أخرى غير الأخبار الاقتصادية اليومية هي التي تدفع الدولار إلى الانخفاض.
على مدى هذا العام، أقدمت إدارة ترمب مراراً على إعلانات مفاجئة للسياسات أثارت اضطراباً اقتصادياً واسعاً: ففي الثاني من أبريل، فُرضت رسوم جمركية تحت اسم “يوم التحرير”؛ وفي مايو (أيار)، طُرحت حزمة الإنفاق المعروفة بـ”القانون الكبير والجميل”؛ وخلال يونيو (حزيران)، توالت التهديدات بفرض رسوم إضافية، تزامناً مع القصف الأميركي لإيران. وفي كل مرة، كان الدولار يتراجع فيما ترتفع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل، في دلالة على خروج رؤوس الأموال هرباً من الاضطرابات.
تاريخياً، كان فرض الرسوم الجمركية يؤدي عادة إلى ارتفاع قيمة العملات، بما في ذلك في الولاية الأولى لترمب. غير أن ما نشهده هذا العام جاء على عكس المعتاد؛ إذ تراجع الدولار مع إقدام الرئيس على فرض رسوم جديدة. وهذا الانحراف الكبير عن النمط التاريخي يعكس أن القلق العالمي من عدم استقرار السياسة الأميركية بات يتغلب على الميل التقليدي إلى التعامل مع الدولار كـ”ملاذ آمن” ترتفع قيمته في أوقات الأزمات.
وقد أدى نهج إدارة ترمب العدائي وغير المتوقع تجاه التحالفات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة إلى تقويض دعم الدولار بشكل أكبر. ويزيد موقف واشنطن الجديد من خطر أن تفرض عقوبات حتى على المستثمرين الأجانب الحلفاء. وبما أن التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة أصبحت أقل قدرة على طمأنة الشركاء، باتت حكومات أخرى تعزز إنفاقها الدفاعي، مما يزيد نسبياً من جاذبية عملاتها. على سبيل المثال، أصبحت أسواق السندات في الاتحاد الأوروبي أكبر حجماً وأكثر عمقاً مع ارتفاع الإنفاق الدفاعي الممول بالديون في شمال وشرق أوروبا. ويوفر اليورو منافع أكبر لأوكرانيا ودول البلقان وبعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تسعى إلى تقليل تأثرها بالنزوات الأميركية من خلال السعي إلى الحصول على أسلحة وصفقات تجارية واستثمارات وقروض ومساعدات إنمائية مقومة باليورو.
جباة الديون
لا تستطيع الأسواق الأوروبية أو غيرها أن تستنسخ المزايا الكاملة التي كانت توفرها الأصول المقومة بالدولار سابقاً. ومع تراجع سيولة الأصول الأميركية، سيجد المستثمرون حول العالم، بمن فيهم الأميركيون، أن أمامهم عدداً أقل من الملاذات الآمنة لاستثمار مدخراتهم. هذا الشعور المتزايد بانعدام الأمان سيدفع متوسط أسعار الفائدة طويلة الأجل على ديون الحكومة الأميركية إلى الارتفاع، في الوقت نفسه الذي تُطرح فيه مزيد من الإصدارات الجديدة. وسيطال أثر هذا الارتفاع جميع المقترضين، من القطاعين العام والخاص، بحكم أن أسعار القروض تُسعّر في نهاية المطاف على أساس سندات الخزانة الأميركية.
قد يلجأ بعض المدخرين، وبخاصة في الصين، إلى سحب أصولهم من الأسواق الأميركية. غير أن هذا التوجه سيفرض ضغوطاً انكماشية على اقتصاداتهم المحلية مع تراجع العائدات الإجمالية وتكدّس فائض المدخرات في أسواق ضيقة أصلاً من حيث فرص الاستثمار. وفي الوقت نفسه، سترتفع بقوة قيمة الأصول البديلة، مثل العملات غير الدولارية والسلع التقليدية المخزِّنة للقيمة كالذهب والأخشاب، إضافة إلى أحدث منتجات العملات الرقمية. وبسبب ضعف سيولة هذه الأصول، فمن شبه المؤكد أن هذه الطفرات السعرية ستفضي إلى انهيارات مالية متكررة، مما يعقد بدرجة كبيرة مهمة الحكومات في استخدام السياسة النقدية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. وسيُمثل هذا خسارة للعالم من دون أن يحقق أي مكسب للاقتصاد الأميركي.
ومثلما تدفع موجات الجفاف المستمرة الناس إلى حماية مواردهم المائية بحذر، فإن نقص السيولة في الأسواق العالمية يدفع الحكومات إلى ضمان تمويل ديونها داخلياً بدلاً من تركها لقوى السوق. وغالباً ما تتخذ هذه السياسات شكل ما يُعرف بالقمع المالي، أي إلزام المؤسسات المالية (وفي نهاية المطاف الأسر) بالاحتفاظ بحصة أكبر من الديون العامة مما كانوا سيفعلون طواعية، وذلك عبر مزيج من القواعد التنظيمية، وضوابط على تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج، والتخصيص القسري للإصدارات الجديدة من الديون. وغالباً ما يؤدي القمع المالي إلى خفض عوائد المدخرين وزيادة تعرضهم لشكل من أشكال مصادرة أصولهم بحكم الأمر الواقع.
في نهاية المطاف، يؤدي تراجع التمويل المتاح إلى صعوبة أكبر أمام الشركات الخاصة والحكومات في اجتياز فترات الانكماش المؤقتة قبل أن تستنفد مصادر تمويلها. وسيكون عليها أن تكوّن احتياطيات لتغطية التزاماتها المقومة بالدولار، (مثل القروض غير المسددة أو القروض بين البنوك)، تحسباً لأي ضائقة مالية محتملة. وإذا اضطرت الدول إلى الاعتماد على التأمين الذاتي، فستغدو الحكومات والشركات أكثر تجنباً للمخاطرة، وستتقلص الموارد المخصصة للاستثمار، لا سيما في الخارج، وهو ما سيسهم في زيادة تفكك الاقتصاد العالمي.
قضية خاسرة للجميع
من دون التأمين الذي كانت الولايات المتحدة توفره، ستنشأ روابط اقتصادية ومسارات استثمارية جديدة، لكنها ستكون أعلى تكلفة، وأصعب وصولاً، وأقل موثوقية. وستسعى الدول حتماً إلى الاعتماد على التأمين الذاتي، غير أن هذه الجهود ستكون بطبيعتها أشد كلفة وأضعف فاعلية مما كانت عليه حين كانت المخاطر تُدار تحت مظلة ضامن واحد. لم يكن التعامل مع الاقتصاد العالمي مهمة يسيرة في أي وقت؛ لكن بعد الزلزال الذي أحدثه تحول النظام الاقتصادي في عهد ترمب، بات الطريق أكثر وعورة بكثير.
في النهاية، فإن الأموال التي تُنفقها الحكومات والشركات على حماية نفسها من المخاطر، هي أموال لا يمكن استثمارها في التنمية أو الخدمات. وبدلاً من تمويل المشاريع المفيدة، ستضطر هذه الجهات إلى دفع تكاليف إضافية لمجرد التحوّط من النتائج السلبية. وستنكمش فرص الاستثمار، وتضيق اختيارات المستهلكين. ومع تراجع المنافسة التجارية وضعف الابتكار وتراجع التعاون الدولي لإنشاء بنى تحتية جديدة، سيتباطأ نمو الإنتاجية والدخل الحقيقي للناس. أما الأسواق الناشئة الأكثر فقراً، فستفقد تماماً مظلة الحماية التي كانت تقيها التهديدات، في وقت تتعرض فيه لمخاطر متزايدة بوتيرة حادة.
هذا يعني عالماً أسوأ تقريباً للجميع. ومع ذلك، فإن البيئة الاقتصادية المحيطة بالصين ستكون الأقل تأثراً وسط هذا التغيير، على الرغم من مزاعم ترمب السابقة بأنه سيصوغ سياساته الاقتصادية لاستهداف بكين بشدة. فالصين في وضع أفضل نسبياً يمكّنها من محاولة تأمين نفسها عقب تراجع الولايات المتحدة عن دورها في تأمين النظام الاقتصادي العالمي. فقد بدأت بالفعل، أكثر من أي اقتصاد رئيس آخر، في تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في الصادرات، والواردات، والاستثمار، والتكنولوجيا. أما مدى قدرة الصين على اقتناص فرص خارجية جديدة في ظل هذا التراجع الأميركي، فستعتمد على ما إذا كانت قادرة على تبديد شكوك الدول الأخرى بشأن موثوقيتها كجهة تأمين. والسؤال هو: هل ستكتفي بتكرار استراتيجية الضغط الاقتصادي والاستفادة القسرية التي اتبعتها الولايات المتحدة، أم ستنتهج نسخة أشد سوءاً منها؟
من المفارقات المأساوية والمدمرة أن الولايات المتحدة، باسم الأمن القومي، تُلحق الضرر الآن بحلفائها الذين كانوا أكثر من أسهم في رفاهها الاقتصادي، بينما تترك الصين أقل تضرراً بكثير. ولذلك، فإن اعتقاد مسؤولي ترمب بأن هؤلاء الحلفاء المقربين سيقبلون ببساطة “إعادة التوازن” المفروض عليهم، هو اعتقاد خاطئ تماماً. فهذه الحكومات ستكون براغماتية، لكن هذه البراغماتية ستتخذ شكلاً مختلفاً عما ترغب فيه إدارة ترمب. فطوال عقود، تعاملت مع واشنطن على أساس حسن النية. أما الآن، فقد بدأت تتخلى عن أوهامها، وستقدم للولايات المتحدة أقل، لا أكثر.
ستكون البيئة الاقتصادية المحيطة بالصين هي الأقل تأثراً بالإجراءات التي سيتخذها ترمب
ستكون هناك فرص في هذا المشهد الجديد، إلا أن دور الاقتصاد الأميركي فيها سيتضاءل تدريجياً. وأبرز الاحتمالات الواعدة هو أن تتكاتف الدول الأوروبية والآسيوية، من دون الصين، لخلق مساحة جديدة من الاستقرار النسبي. ومن اللافت أن الاتحاد الأوروبي والاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، وهو تحالف يضم في معظمه دول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يستكشفان بالفعل أشكالاً جديدة من التعاون. في يونيو (حزيران)، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، هذه المفاوضات بأنها جهد “لإعادة تصميم” منظمة التجارة العالمية “من أجل إظهار أن التجارة الحرة مع عدد كبير من الدول ممكنة على أساس قائم على القواعد”. ويمكن لهذه الاقتصادات أيضاً بذل مزيد من الجهود لضمان حقوق الاستثمار المتبادلة، وإنشاء آليات ملزمة لتسوية النزاعات التجارية، وتجميع سيولتها للاستجابة للصدمات المالية. ويمكنها السعي إلى الحفاظ على دور ونفوذ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وحماية هذه المؤسسات من الشلل في حال سعي الصين أو الولايات المتحدة إلى عرقلة المبادرات الضرورية.
إذا أرادت هذه الدول الحفاظ على قدر من الانفتاح والاستقرار اللذين ميّزا النظام الاقتصادي العالمي السابق، فسيتعين عليها تشكيل تكتلات ذات عضوية انتقائية، بدلاً من التمسك الصارم بالنهج المتعدد الأطراف. قد يشكل ذلك بديلاً أضعف من النظام الذي كانت تقوده الولايات المتحدة، لكنه يظل أفضل بكثير من الاكتفاء بقبول الاقتصاد الذي ترسمه إدارة ترمب حالياً.
أما الولايات المتحدة نفسها، فبغض النظر عن عدد اتفاقيات التجارة الثنائية التي تبرمها، ومهما بدت الاقتصادات الأخرى، للوهلة الأولى، منحازة لواشنطن بتكلفة باهظة، ستجد البلاد نفسها مهمشة بشكل متزايد في التجارة والتكنولوجيا، وأقل قدرة على التأثير في قرارات الاستثمار والأمن في الدول الأخرى. كما أن سلاسل التوريد الأميركية التي تدعي إدارة ترمب أنها تسعى إلى تأمينها، ستغدو أقل موثوقية وأعلى تكلفة بطبيعتها، وأقل تنوعاً في مصادرها، وأكثر عرضة لصدمات تنشأ داخل الولايات المتحدة نفسها. ولن يقتصر التخلي عن جزء كبير من العالم النامي على زيادة تدفقات الهجرة وإثارة أزمات صحية عامة، بل سيحرم الولايات المتحدة أيضاً من فرص اقتصادية ثمينة في تلك الأسواق الناشئة. أما تحركات إدارة ترمب لطرد الاستثمار الأجنبي، فستقوّض مستويات المعيشة داخل البلاد وقدرات الجيش الأميركي. ومن المرجح أن تكسب العلامات التجارية الأوروبية والآسيوية، وحتى البرازيلية والتركية، حصة أكبر من السوق على حساب الشركات الأميركية، فيما ستبتعد المعايير التقنية لمنتجات مثل السيارات وخدمات التكنولوجيا المالية عن المعايير الأميركية. وسيكون الكثير من هذه الظواهر ذاتي التعزيز، ما يجعل من الصعب عكس مسارها حتى بعد مغادرة ترمب البيت الأبيض.
وكما تقول الأغنية: لا تدرك قيمة ما لديك إلا حين تفقده. لقد رصفت إدارة ترمب الفردوس وحولته إلى كازينو، لن يلبث أن يغدو مجرد موقف سيارات فارغ [لقد دمرت نظاماً اقتصادياً عالمياً مستقراً واستبدلته بنظام قائم على المخاطرة والمقامرة].







