حرية | تقرير تحليلي |14 آذار 2026 – إعداد: قسم الاخبار
أكد الكاتب والصحافي العراقي أحمد الحمداني، رئيس تحرير وكالة حرية، أن التصريحات المتباينة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب الدائرة في المنطقة لا تعكس ارتباكاً في القرار الأمريكي بقدر ما تمثل أداة ضمن الحرب النفسية والعمليات الإعلامية التي تستخدمها واشنطن في إدارة الصراع مع إيران.

وجاءت تصريحات الحمداني خلال مشاركته في جلسة حوارية على قناة الأولى مع الإعلامية ديالا كلتوم حيث تناول طبيعة الخطاب السياسي الأمريكي في ظل التصعيد العسكري الحالي في المنطقة.
الحرب النفسية جزء من الاستراتيجية
وقال الحمداني إن الرئيس ترامب يعتمد منذ بداية الأزمة على إدارة المعركة عبر الرسائل النفسية والإعلامية، موضحاً أن التناقض الظاهر في التصريحات – مثل الإعلان عن انتهاء الحرب ثم الحديث عن ضرورة فتح الملاحة في مضيق هرمز ثم العودة إلى خطاب تصعيدي – هو جزء من تكتيك استخباري يهدف إلى إرباك الخصم.
وأضاف أن العمليات النفسية تعد جزءاً أساسياً من أدوات الصراع الحديث، خصوصاً في الحروب المعاصرة التي لا تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تشمل الضغط الإعلامي والاقتصادي والسياسي.
رسالة “السلام بالقوة”
وأشار الحمداني إلى أن سياسة ترامب في المنطقة ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى الخطاب الذي طرحه خلال حملته الانتخابية تحت شعار “السلام بالقوة”، وهي رؤية تقوم على استخدام القوة العسكرية والاقتصادية لفرض معادلة ردع تقود في النهاية إلى التسويات السياسية.
وأوضح أن هذا النهج يتقاطع مع أفكار استراتيجية ظهرت منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في بعض مراكز الفكر الغربية، ومنها أطروحات الباحث برنالد لويس التي تناولت إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
هل تستطيع واشنطن التراجع؟
وفي تحليله للمشهد الحالي، يرى الحمداني أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان ترامب يستطيع التراجع عن هذه الحرب، بل كيف يمكن للولايات المتحدة إدارة كلفتها الاستراتيجية.
وأوضح أن واشنطن دخلت الصراع باعتبارها القوة المهيمنة في النظام الدولي، لكنها تواجه الآن معادلة معقدة، حيث تعتمد إيران على استراتيجية إطالة أمد الصراع ورفع الكلفة الاقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصاً عبر الضغط على أسواق الطاقة والممرات البحرية مثل مضيق هرمز.
معركة الكلفة الاقتصادية
وأشار الحمداني إلى أن إيران تحاول استغلال نقطة ضعف رئيسية في الصراع، وهي الفارق في كلفة الحرب بين الطرفين.
وأوضح أن جزءاً كبيراً من الصناعات العسكرية الإيرانية يعتمد على الإنتاج المحلي منخفض الكلفة نسبياً، بينما تعتمد الولايات المتحدة على منظومة صناعية عسكرية ضخمة تعمل عبر شركات خاصة تتعاقد مع الحكومة، ما يجعل تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية أعلى بكثير.
وأضاف أن هذا العامل يمنح طهران قدرة على إطالة الصراع واستنزاف الخصم اقتصادياً، وهو ما يجعل المواجهة الحالية ليست فقط مواجهة عسكرية، بل أيضاً معركة اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد.
تناقض التصريحات أم إدارة للصراع؟
ويرى الحمداني أن التباين في خطاب ترامب بين التصعيد والتهدئة لا يعني بالضرورة فقدان السيطرة على القرار، بل يمكن قراءته ضمن إطار إدارة الصراع عبر تعدد الرسائل.
ففي الوقت الذي يرسل فيه رسائل تهدئة للأسواق والرأي العام الدولي، يبعث في المقابل رسائل ردع إلى إيران وحلفائها بأن الولايات المتحدة ما زالت مستعدة لتوسيع نطاق العمليات إذا اقتضت الضرورة.
خلاصة التحليل
خلص الحمداني إلى أن الحرب الجارية في المنطقة أصبحت حرباً متعددة الأبعاد، تشمل المواجهة العسكرية والاقتصادية والنفسية في آن واحد.
وأوضح أن فهم التصريحات السياسية المتناقضة يتطلب النظر إليها في سياق العمليات النفسية وإدارة الصراع الإعلامي، وليس فقط في إطار الخطاب السياسي التقليدي.
وأكد أن المرحلة الحالية تشهد صراع إرادات أكثر من كونها صراع جيوش، حيث يسعى كل طرف إلى رفع كلفة الحرب على الطرف الآخر إلى الحد الذي يجبره في النهاية على القبول بتسوية سياسية.







