وكالة حرية | الثلاثاء 26 آب 2025
أحمد الحمداني
يعيش العراق اليوم أجواء انتخابية محتدمة، ترتفع فيها الأصوات وتتسابق الخطابات الشعبوية، وكأن السياسة لا تُدار إلا بالمزايدات والانفعالات لكن الحقيقة أن البلاد في ظرفها الحالي لا تحتمل المزيد من التصعيد، بل تحتاج إلى لغة أهدأ وأعمق هي لغة الدبلوماسية، فهي القادرة على حماية الدولة وسط التحديات الداخلية والإقليمية والدولية.
لقد أثبتت التجارب العراقية نفسها أن الحوار والدبلوماسية أكثر نفعاً من الصدام. ففي اتفاقية لندن للمعارضة العراقية عام 2002، اجتمعت قوى متباينة على طاولة واحدة وخرجت برؤية مشتركة رغم خلافاتها الكبيرة. وبعد سقوط النظام، برز مجلس الحكم ليؤكد أن التوافق بين أطراف متعددة يمكن أن ينتج قرارات مصيرية مثل قانون إدارة الدولة وتشكيل حكومة انتقالية. وحتى على المستوى الإقليمي، نجد أن إيران قبلت عام 2007 الجلوس مع الولايات المتحدة للتباحث حول العراق، إدراكاً بأن لغة الحوار قد تحقق ما لا يحققه التصعيد.
المؤسف أن بعض الأصوات في الساحة السياسية العراقية بدأت تستخدم ما يمكن وصفه بـ”لغة القنادر”، كما صرّح أحد النواب مؤخراً مهدداً بضرب دبلوماسي من إحدى الدول بـ”مئة قندرة” مثل هذا الخطاب لا يمثل قوة، بل يعكس مزايدات تمثيلية تستهدف دغدغة مشاعر الناس لحصد الأصوات الانتخابية، لكنه في الحقيقة يُسيء لسمعة العراق ويضعف صورة مؤسساته.
السياسي الذي يلجأ إلى لغة الإهانة إنما يعلن إفلاسه في القدرة على الإقناع، ويحوّل السياسة من فن الممكن إلى مسرحية هابطة.
ان التاريخ مليء بأمثلة لشخصيات تبنّت هذه اللغة الشعبوية الفجة، فصعدت بسرعة ثم سقطت أسرع لنستذكر هوغو تشافيز (فنزويلا) رغم شعبيته الأولية، فإن خطاباته المليئة بالشتائم والهجوم اللفظي على خصومه ودول كبرى لم تبنِ اقتصاداً ولا استقراراً، بل تركت البلاد غارقة في أزمة اما القذافي (ليبيا) مثال صارخ على لغة التهريج والتهديد، التي جعلت منه مادة للسخرية قبل أن تؤول بلاده إلى الفوضى وكذلك جوزيف مكارثي في (الولايات المتحدة – خمسينات القرن الماضي) اعتمد على خطاب التخوين والمزايدة ضد خصومه السياسيين، لكنه سقط سقوطاً مدوياً عندما انكشفت أساليبه أمام الرأي العام.
هذه النماذج تذكرنا بأن اللغة المنفعلة قد تصنع ضجة مؤقتة، لكنها لا تبني دولاً ولا تحافظ على استقرار الشعوب.
العالم يقدم نماذج معاكسة تماماً من زيارة نيكسون إلى بكين التي أنهت قطيعة عقود، إلى مانديلا الذي صنع مصالحة تاريخية، وصولاً إلى اتفاق الجمعة العظيمة في إيرلندا الشمالية كلها أمثلة على أن لغة الحوار هي التي تنقذ الأوطان لا لغة الشتائم.
إن الدبلوماسية ليست ضعفاً كما يظن البعض، بل قوة عقلانية تحفظ للدولة هيبتها وتفتح أبواب التعاون والعراق بحاجة اليوم إلى هذه القوة أكثر من أي وقت مضى،خصوصاً في مرحلة انتخابية يُفترض أن تكون ساحة لتقديم البرامج والحلول لا ميداناً لإشعال الانقسامات.
رسالتي إلى بعض السياسيين العراقيين واضحة
اختاروا لغة الحكمة لا لغة القنادر ونافسوا بالبرامج لا بالمسرحيات فالتاريخ لا يرحم من يزرع الانقسام من أجل مكسب عابر، لكنه يسجل بإجلال أسماء من حملوا لواء الدبلوماسية في زمن الشحن والصراع و الضجيج.







