حرية | الجمعة 27 شباط 2026
أحمد الحمداني
في صورة اللقاء الذي جمع السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان بالمبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، انشغلتُ بتفصيل صغير هو أن زر سترة الضيف بقي مغلقاً أثناء الجلوس قد يبدو الأمر هامشياً، لكن في زمن تتحول فيه الصورة إلى نص موازٍ لا يبقى التفصيل مجرد تفصيل.
الأعراف الاجتماعية في الغرب والشرق تميل إلى فتح زر السترة عند الجلوس باعتباره إشارة إلى الارتياح، غير أن هذا العرف ليس قاعدة بروتوكولية ملزمة، بل سلوك يتبدل وفق طبيعة المقام. وعندما يكون المقام قضائياً تتغير لغة الجسد، فالقضاء ليس طاولة تفاوض ولا صالون مجاملة، بل سلطة دستورية عليا تمثل الضامن الأخير للنصوص ولتوازن السلطات. أمام هذه الرمزية يغلب الانضباط على الأريحية، والوقار على العفوية.
الخبرة الدبلوماسية العالمية تؤكد ذلك، فعند حضور رؤساء الولايات المتحدة مراسم قضائية في مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة تبدو الصور الرسمية مشدودة الإيقاع، جلوس مستقيم وحركات محدودة وانضباط في الهيئة لم تُقرأ هذه الصرامة يوماً على أنها توتر، بل على أنها التزام بمقام قضائي يعلو على السياسة اليومية.
وفي أوروبا، عند لقاء الملك الإسباني برئيس المحكمة الدستورية الإسبانية، أو اجتماع الرئيس الألماني بقضاة المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية، تسود ذات اللغة، رسمية صارمة ومسافات محسوبة وهيئة منضبطة وحتى في المحافل الدولية، عندما تزور وفود رسمية محكمة العدل الدولية، يطغى الوقار على العفوية، وكأن الجميع يقرّ بأنهم أمام سلطة قانون لا أمام منصة سياسة.
بهذا المنظور يمكن قراءة الصورة في بغداد بعيداً عن المشاغبة التي تقول ربما عدم استقرار الجلسة زمنياً أو توتر أو تحفظ دبلوماسي فاللقاء لم يكن حزبياً ولا تفاوضياً، بل مؤسسياً دستورياً يتناول استكمال الاستحقاقات الدستورية وحين يُستحضر الدستور يُستحضر معه مفهوم الفصل بين السلطات وحدود التدخل السياسي إبقاء السترة مغلقة في هذا السياق قد يعكس التزاماً بأقصى درجات الرسمية، وكأن الضيف بقي في وضعية الانتباه الكامل احتراماً للمقام.
المفارقة أن المبالغة في الاسترخاء أمام القضاء قد تُقرأ سلباً أكثر من المبالغة في الرسمية فلو ظهر الضيف متكئاً إلى الخلف، فاتح الأزرار، عاقداً ساقاً على أخرى، لربما قُرئ المشهد بوصفه أريحية سياسية لا تنسجم مع مقام قضائي. أما الانضباط الشكلي فينسجم مع ثقافة مؤسسات ترى في القضاء مرجعية عليا.
الدول لا تُدار بالأزرار، لكنها أيضاً لا تُهمل رمزية الصورة فالصورة هنا تقول إن القضاء العراقي يُستقبل بوصفه مؤسسة سيادية تُقابل بالوقار. والرسالة الأهم ليست في القماش، بل في مضمون اللقاء، فاستكمال الاستحقاقات يمر عبر بوابة القانون ذلك اعتراف ضمني بأن الاستقرار السياسي لا يُبنى بالتفاهمات وحدها، بل باحترام الإطار الدستوري.
يبقى أن نميز بين القراءة الصحفية المشاغبة والقراءة المؤسسية المتزنة الأولى تبحث عن الإثارة في كل تفصيل، والثانية تضع التفصيل في سياقه في سياق القضاء، الرسمية ليست بروداً بل احترام، وليست تحفظاً بل انضباط، والهيبة لا تحتاج إلى إعلان بل تظهر في سلوك الآخرين تجاهها.
في النهاية قد يُفتح الزر في مقام آخر، وقد يُغلق في مقام القضاء لكن ما ينبغي أن يبقى مفتوحاً هو الدستور، وما ينبغي أن يبقى ثابتاً هو استقلال العدالة أما ما عدا ذلك فمجرد تفصيل في صورة لا أكثر.
في السياسة لا شيء يُترك للصدفة، خصوصاً في بغداد.







