وكالة حرية | السبت 14 شباط 2026
وصل معدل المواليد في الصين إلى أدنى مستوى تاريخي له، ما يفاقم المخاوف من صدمة اقتصادية محتملة خلال العقود المقبلة، في ظل تقلص أعداد القوة العاملة وازدياد أعداد المتقاعدين، بحسب تقرير نشرته CNN.
وتُظهر البيانات الأخيرة أن حزمة السياسات التي اعتمدتها بكين لتحفيز الإنجاب — من مساعدات نقدية وإعفاءات ضريبية إلى تسهيلات قانونية للزواج — لم تنجح حتى الآن في وقف مسار التراجع الديموغرافي. وفي مواجهة هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى مسار بديل: تسريع الاعتماد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي.
ويقود الرئيس الصيني شي جينبينغ منذ سنوات جهود تحديث قطاع التصنيع، ضمن استراتيجية تحويل البلاد إلى قوة تكنولوجية متقدمة وأكثر اعتماداً على الذات. ويتقاطع هذا التوجه اليوم مع تحدي إعادة التوازن السكاني، إذ يحذر خبراء من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يؤدي إلى ضغوط هائلة على نظام التقاعد، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وتراجع الإنتاجية، بما ينعكس على الثقة بالمؤسسات والنمو الاقتصادي.
ويرى عدد من المتخصصين أن الاستثمار المكثف في الذكاء الاصطناعي قد يخفف من وطأة تقلص القوى العاملة، إذا ما أُدير التحول بكفاءة، لكنه لا يُعد حلاً سحرياً. فالتكنولوجيا قادرة على تعزيز إنتاجية العمل والحفاظ على مستويات الإنتاج الصناعي، وربما زيادتها، حتى مع انخفاض أعداد العمال، غير أنها قد تؤدي في المقابل إلى فقدان وظائف على المدى القصير وإعادة تشكيل سوق العمل على المدى البعيد.
وتزداد حساسية هذا التحول في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 1.4 مليار نسمة، اعتمد لعقود على وفرة اليد العاملة منخفضة التكلفة. ويكتسب الملف بعداً سياسياً إضافياً في ظل ربط الحزب الشيوعي الحاكم شرعيته بالأداء الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
ثورة الروبوتات
تُعد الصين حالياً أكبر سوق للروبوتات الصناعية في العالم، وتستحوذ على أكثر من نصف الروبوتات المثبتة عالمياً حتى عام 2024، وفق بيانات الاتحاد الدولي للروبوتات. وتعمل الأذرع الروبوتية في المصانع الصينية ضمن خطوط إنتاج مؤتمتة بالكامل، بما في ذلك ما يُعرف بـ«المصانع المظلمة» التي تعمل دون حاجة إلى إضاءة بشرية.
وقد أسهم هذا المستوى المتقدم من الأتمتة في تعزيز قدرة المصانع الصينية على إنتاج سيارات كهربائية وألواح شمسية بكميات ضخمة وتكلفة منخفضة، ما عزز فائضها التجاري.
كما تراهن بكين على تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر، إذ تنشط أكثر من 140 شركة صينية في هذا المجال بدعم حكومي واسع. ورغم أن كثيراً من هذه الروبوتات لا يزال يُعرض في مناسبات ترويجية أو تجارب محدودة، فإن بعضها بدأ فعلياً العمل في خطوط التجميع ومراكز الخدمات اللوجستية، مع طموح للوصول إلى مستويات إنتاجية تقارب الأداء البشري في مهام محددة.
ويأتي هذا التوجه ضمن استراتيجية «صنع في الصين 2025» التي أُطلقت عام 2015 لتعزيز القدرات الصناعية المتقدمة، وهو العام ذاته الذي ألغت فيه بكين رسمياً سياسة «الطفل الواحد» التي استمرت لعقود.
شيخوخة متسارعة وتحديات اجتماعية
تُظهر التقديرات أن من هم فوق سن الستين يشكلون حالياً نحو 23 في المائة من سكان الصين، ومن المتوقع أن ترتفع نسبتهم بشكل كبير بحلول نهاية القرن، وفق تقديرات الأمم المتحدة. ويضع هذا التحول ضغطاً إضافياً على أنظمة رعاية كبار السن والمعاشات التقاعدية، خصوصاً في ظل إرث سياسة الطفل الواحد التي أفرزت أجيالاً من الأبناء الوحيدين.
وتتضمن الخطط الرسمية توظيف الروبوتات والذكاء الاصطناعي في رعاية المسنين، إلى جانب تطوير تقنيات مساندة مثل الهياكل الخارجية وواجهات الدماغ والحاسوب. غير أن مدى فاعلية هذه الحلول في تعويض النقص البشري، أو قدرتها على القبول الاجتماعي الواسع، لا يزال محل تساؤل.
في المقابل، يواجه سوق العمل مفارقة تتمثل في نقص العمالة في قطاعات معينة، مقابل بطالة في قطاعات أخرى، مع توقعات بأن تؤثر تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات على نسبة كبيرة من وظائف التصنيع. وقد أعلنت السلطات أخيراً نيتها إطلاق إجراءات للتعامل مع تداعيات التحول التكنولوجي على التوظيف.
وبوجه عام، يجمع الخبراء على أن التكنولوجيا تمثل أداة مهمة في إدارة التحول الديموغرافي، لكنها تبقى جزءاً من حزمة سياسات أوسع تشمل إصلاح نظام الضمان الاجتماعي، وتحفيز الإنجاب، وتحديث التعليم والتدريب. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان الرهان التكنولوجي كافياً لتفادي اختلال طويل الأمد بين التركيبة السكانية والبنية الاقتصادية في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.







