حرية | الاربعاء 18 شباط 2026
بعد أكثر من ثلاثة أشهر على انتخابات 11 نوفمبر 2025، ما زال العراق عالقاً في مفاوضات شاقة لتشكيل حكومة جديدة، وسط توازنات داخلية متحركة وضغوط خارجية قد تعيد البلاد إلى صدارة الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران.
تتزامن الأزمة العراقية مع استئناف جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة سلطنة عُمان، كان آخرها في جنيف، حيث أعلنت إيران توصل الطرفين إلى تفاهمات حول “مبادئ إرشادية”، مع تأكيد أن الاتفاق النهائي لا يزال بعيد المنال. في المقابل، تشدد واشنطن على أن أي مسار تفاوضي “ذي معنى” يجب أن يتناول إلى جانب الملف النووي، برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ودور طهران الإقليمي ودعمها للفصائل المسلحة، وهي نقاط ترفضها إيران إدراجها ضمن المسار النووي.
على الصعيد الداخلي، سجلت الانتخابات العراقية نسبة مشاركة بلغت 56.11%، فيما ارتفع حضور النساء في لوائح الترشح إلى نحو 29%. وقد تصدر ائتلاف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني النتائج بـ46 مقعداً، وجاء ائتلاف “دولة القانون” بقيادة نوري المالكي ثانياً بـ29 مقعداً، لكن هذه النتائج لم تحسم تسمية رئيس الحكومة، إذ تتطلب التوافقات بين الكتل الشيعية والسنية والكردية مفاوضات طويلة لتشكيل تحالف حاكم وتوزيع المناصب السيادية.
في هذا الإطار، رشّح “الإطار التنسيقي” المالكي لرئاسة الحكومة، مما أثار رد فعل أميركياً حازماً، حيث حذّر الرئيس دونالد ترمب في 27 يناير 2026 من أن عودته “خيار سيئ” وهدد بأن واشنطن قد تقلص دعمها للعراق إذا تولى رئاسة الحكومة، فيما رفض المالكي هذه التهديدات واعتبرها “تدخلًا في الشأن العراقي”.
وتعتمد الولايات المتحدة في الضغط على العراق أدوات عملية تشمل ملفات التعاون الأمني والتدفقات المالية والاستثمار، إذ أوردت تقارير تهديد سياسيين عراقيين بعقوبات قد تشمل الدولة نفسها وعائداتها النفطية، في حال دمج فصائل مدعومة من إيران ضمن الحكومة المقبلة.
على المستوى التشريعي، يتابع الكونغرس الأميركي مشروع قانون يحمل عنوان “تحرير العراق من إيران”، يربط المساعدات الأميركية ببغداد بإبعاد الفصائل المسلحة المدعومة من طهران عن مؤسسات الدولة، كما يطالب بإدراج مجموعات عراقية على قائمة “المنظمات الإرهابية الأجنبية” وإعداد تقارير لفرض عقوبات على شخصيات محددة بينها المالكي، بالإضافة إلى حظر استيراد الغاز الطبيعي الإيراني.
تضع هذه التطورات العراق في قلب مفاوضات الولايات المتحدة–إيران، حيث تسعى واشنطن إلى إدراج ملف “الوكلاء” ضمن الاتفاق، فيما تصر طهران على حصر المحادثات بالملف النووي ورفع العقوبات. ويرى مراقبون أن ملف الشبكات المسلحة الإقليمية قد يكون أكثر قابلية للتفاوض من قضايا التخصيب أو الصواريخ، ما يتيح سيناريو مسارين: تفاهم نووي مكتوب، بالتوازي مع تفاهمات إقليمية لخفض التصعيد في ساحات مثل العراق.
على الأرض، يبقى خطر الانزلاق قائماً، مع تحذيرات فصائل عراقية مقربة من إيران في حال تعرض طهران لأي هجوم، فيما تحاول بغداد الحفاظ على أراضيها بعيداً عن صراع القوى الإقليمية. في الوقت نفسه، يواصل التنسيق الأمني الأميركي–العراقي مكافحة تنظيم “داعش”، إذ تم نقل أكثر من 5 آلاف و700 معتقل من سوريا إلى العراق لمنع عودة التنظيم.
بين ضغط واشنطن وتمسك الإطار التنسيقي بترشيح المالكي، تبدو بغداد أمام خيارين: تسوية داخلية تُنتج اسماً توافقياً يقلّل من كلفة الاستقطاب الخارجي، أو استمرار الفراغ السياسي بما يزيد هشاشة الخدمات والاقتصاد ويؤخر قرارات الدولة في ملفات الأمن والسلاح والعلاقات الإقليمية، في لحظة تُعاد فيها هندسة التوازنات على طاولة تفاوض تتجاوز الملف النووي إلى نفوذ إيران في جوارها.







