حرية | الخميس 12 آذار 2026
بقلم: أحمد الحمداني
في السياسة لا يكفي أن تمتلك دولة نظاماً انتخابياً أو عدداً كبيراً من الأحزاب، فالعنصر الحاسم في بناء الدول واستقرارها عبر التاريخ كان دائماً القيادة السياسية و القائد الذي يمتلك رؤية ويقرأ التحولات ويضع مساراً للدولة يتجاوز اللحظة الانتخابية والمكاسب الحزبية الضيقة.
اليوم يقف العراق أمام سؤال كبير قد لا يُطرح بصوت عالٍ لكنه حاضر في أذهان الجميع من سيقود العراق في السنوات القادمة؟ فالمشهد السياسي العراقي مزدحم بالأحزاب والتحالفات والكيانات و لكن هذه الكثرة التنظيمية لا تعني بالضرورة وجود منظومة حقيقية لصناعة القادة، لقد أنتجت التجربة السياسية خلال العقدين الماضيين شخصيات مؤثرة لكنها لم تبنِ حتى الآن نظاماً مستداماً لإعداد القيادات السياسية والإدارية للدولة.
المشكلة في العراق ليست غياب الكفاءات، فالعراق بلد غني بالعقول والخبرات في السياسة والاقتصاد والإدارة والأمن والعلاقات الدولية في الجامعات والمؤسسات وفي القطاع الخاص وحتى داخل بعض الأحزاب هناك شخصيات تمتلك القدرة على التخطيط وبناء السياسات العامة لكن الحقيقة التي يعرفها الكثيرون هي أن الطريق إلى مواقع القرار ما زال محفوفاً بالتردد والخوف وهناك تخوف واضح من أن تتولى كفاءات حقيقية ملفات سياسية وتنفيذية حساسة لأن هذه الملفات غالباً ما تكون محكومة بتوازنات معقدة أو اعتبارات حزبية أو حسابات نفوذ.
وهكذا تبقى الكثير من الكفاءات خارج دائرة القرار بينما تستمر إدارة الدولة في كثير من الأحيان بعقلية إدارة الأزمة لا بعقلية بناء الدولة، فالدولة الحديثة لا تحتاج فقط إلى سياسيين، بل إلى منظومة متكاملة من الأدوار القيادية نحن بحاجة إلى رجال دولة قادرين على التخطيط الاستراتيجي، وإلى مفاوضين مهرة يعرفون كيف يديرون العلاقات الإقليمية والدولية، وإلى خبراء في قراءة التحولات الجيوسياسية، وإلى محللين استراتيجيين تؤمن الدولة بتحليلهم واستنتاجاتهم عند اتخاذ القرار.
الدول الكبرى لا تتخذ قراراتها المصيرية بالحدس أو الارتجال فخلف كل قرار سياسي هناك مراكز تفكير وغرف تحليل ومؤسسات تخطيط وعقول تعمل بصمت لرسم السيناريوهات المحتملة للمستقبل أما في العراق فما زالت هذه الثقافة في طور التشكّل رغم أن الدولة بحاجة ماسة إلى منظومة تحليل استراتيجي حقيقية تساعد صانع القرار على رؤية المشهد قبل أن تتحول الأزمات إلى حقائق على الأرض.
ومن التحديات الأخرى التي تواجه المشهد السياسي العراقي الفجوة بين الأجيال القيادية فالرعيل الأول والثاني من السياسيين الذين قادوا المرحلة بعد عام 2003 يمتلكون تجربة سياسية مهمة لكن هذه التجربة لم تتحول بعد إلى مدرسة حقيقية لتأهيل جيل جديد من القادة الشباب ان الدول التي تفكر في مستقبلها تعمل دائماً على نقل الخبرة السياسية من جيل إلى آخر، لأن الشباب يمتلكون الطاقة والرؤية الجديدة بينما يحمل الرعيل الأول والثاني خبرة إدارة الأزمات وفهم تعقيدات السياسة.
والصيغة الأكثر واقعية لبناء المستقبل هي الجمع بين الاثنين، شباب يمتلكون الحماسة والمعرفة الجديدة، وخبرة سياسية تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل العام، إن العراق اليوم بحاجة إلى رسم خارطة دولة جديدة يقودها شباب يمتلكون الكفاءة والطموح، لكنهم يستفيدون في الوقت نفسه من خبرة الرعيل الأول والثاني الذين عرفوا تفاصيل الدولة وتعقيدات إدارتها.
إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط من سيفوز في الانتخابات القادمة، بل من سيقود العراق بعد أربع سنوات وهل ستبقى المعادلة السياسية أسيرة التوازنات التقليدية أم سنشهد ظهور جيل جديد من القادة يمتلك مشروعاً واضحاً لبناء الدولة؟
التاريخ السياسي يعلمنا أن الدول لا تنهض بالصدفة بل عندما تقرر نخبها أن تصنع قادتها بوعي وإرادة أما إذا تُركت مسألة القيادة للصراع التنظيمي أو للمصادفة فإن المستقبل يصبح أكثر غموضاً.
العراق يمتلك كل المقومات البشرية لصناعة قادة كبارلكنه يحتاج قبل كل شيء إلى قرار شجاع بفتح الطريق أمام الكفاءات وإلى بناء منظومة حقيقية لإعداد القادة والمفاوضين والمحللين الاستراتيجيين الذين تستطيع الدولة أن تعتمد على رؤيتهم في رسم السياسات.
فالدول القوية لا تبنى فقط بالمؤسسات بل تبنى أيضاً بالعقول التي تعرف كيف تقود هذه المؤسسات نحو المستقبل.
ويبقى السؤال الذي سيظل معلقاً في الأفق السياسي العراقي من سيكتب الفصل القادم من تاريخ الدولة العراقية ومن سيرث قيادة العراق في السنوات القادمة؟







