بقلم:أحمد الحمداني
في العراق لا تبدأ الحكايات دائماً من السياسة بل من بيت بسيط في حي هادئ من أم تنتظر ابنها ومن أب يخفي خوفه خلف صمته ومن شاب يحلم بوطن طبيعي يشبه بقية أوطان العالم لكن في هذا البلد كثيراً ما تتحول الأحلام الصغيرة إلى أسئلة كبيرة… وأسئلة موجعة.
لماذا يموت أبناء هذا الوطن كثيراً؟
ولماذا يبدو العراق دائماً وكأنه يقف في منتصف الطريق بين حربين؟
العراقي حين يولد لا يعرف أنه قد يولد في زمن حرب لكنه حين يكبر يكتشف أن الحرب في هذا البلد ليست حادثاً طارئاً، بل ضيفاً ثقيلاً يزور البلاد كل عقد تقريباً ويترك خلفه قبوراً جديدة وذكريات موجعة.
جيل الخمسينات والستينات والثمانينات حمل البنادق في حرب طويلة أكلت شباب العراق ثم جاء جيل التسعينات ليعيش الحصار والجوع والانتظار ثم جاء جيل الألفية ليجد نفسه وسط حرب أخرى غيّرت شكل الدولة والمجتمع ثم جاء جيل الإرهاب ليحمل السلاح دفاعاً عن المدن.
وها هو جيل جديد يقف اليوم أمام خوف قديم يعود بثوب جديد… خوف أن تتحول أرض العراق مرة أخرى إلى ساحة حرب الآخرين، المفارقة المؤلمة أن العراقيين في معظمهم لم يطلبوا هذه الحروب لم يخرج الناس في الشوارع يوماً يطالبون بالصواريخ ولا بالمعارك ولا بالدم العراقيون في حقيقتهم شعب بسيط يحبون المقاهي القديمة، وضفاف دجلة والفرات، ورائحة الخبز الحار في الصباح، وضحكات الأطفال في الأزقة لكن هذا البلد يقف دائماً في قلب خرائط الصراع.
قوى كبرى تتصارع في المنطقة و خطابات حادة تعبر الشاشات و صواريخ تعبر السماء ووسط كل ذلك يقف العراق… كأنه يسأل العالم بهدوء متعب لماذا دائماً نحن؟
العراق لم يكن يوماً بلداً صغيراً في حسابات السياسة الدولية ان موقعه الجغرافي جعله عقدة طرق بين الشرق والغرب، وثروته النفطية جعلته رقماً مهماً في الاقتصاد العالمي، وتاريخه جعله رمزاً لحضارة عميقة في ذاكرة الإنسانية لكن هذه المزايا نفسها تحولت أحياناً إلى لعنة فحين تتصارع القوى الكبرى، يصبح العراق أقرب إلى ساحة اختبار للنفوذ أو ساحة ضغط متبادل أو ساحة رسائل عسكرية وسياسية وفي كل مرة يحدث ذلك، يكون الثمن عراقياً.
الشاب الذي يسقط في حرب لا يعرف كل تفاصيلها… عراقي.
الأم التي تنتظر ابنها ولا يعود… عراقية.
المدينة التي تنطفئ أنوارها بسبب أزمة أو صراع… عراقية.
ولهذا يشعر العراقي اليوم بشيء يشبه التعب التاريخي تعب من أن يكون بلده دائماً في الأخبار بسبب حرب تعب من أن تكون دماء شبابه جزءاً من معادلات سياسية لا يفهمها الناس البسطاء تعب من أن يعيش كل جيل في ظل حرب مختلفة لكن رغم هذا التعب، هناك شيء غريب في روح العراقيين شيء يشبه العناد الجميل.
كلما مرت حرب نهض الناس مرة أخرى تفتح المقاهي وتعود الضحكات ويمشي الأطفال إلى مدارسهم وتحاول الحياة أن تنتصر مرة أخرى العراقي لا يحب الحروب… لكنه تعلّم كيف ينجو منها.
وهذا ربما هو السر الذي جعل هذا البلد يستمر آلاف السنين رغم كل العواصف لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح اليوم هي أن العراق لا يحتاج بطولة جديدة في ميادين القتال العراق يحتاج بطولة مختلفة بطولة تحمي أبناءه من أن يكونوا وقوداً لصراعات الآخرين بطولة تجعل مصلحة الوطن فوق كل محور وكل حساب خارجي بطولة تقول ببساطة إن دم العراقي ليس رسالة سياسية لأحد.
لقد تعب هذا الوطن من الحروب وتعبت أمهاته من البكاء وتعبت مدنه من إعادة بناء ما تهدمه الصراعات وتعب شبابه من أن يعيشوا دائماً على حافة الخطر العراق لا يريد أن يكون ساحة حرب العراق يريد فقط أن يكون وطناً وطناً طبيعياً… يعيش فيه الناس بسلام.
وطن يشبه أحلام شبابه…
لا يشبه قبورهم.







