بغداد – | وكالة حرية – 10 شباط 2026 – تحرير القسم الاقتصادي
كشفت وكالة بلومبرغ، في تقرير نشرته يوم الثلاثاء، أن العراق يتجه إلى تعزيز شراكته الاستراتيجية مع عملاقي النفط الأميركيين إكسون موبيل وشيفرون، في خطوة تهدف إلى كسب ودّ الإدارة الأميركية، وتحديداً الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وذلك ضمن مساعٍ عراقية لتحصين البلاد من تداعيات التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، وتقليل مخاطر انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع في المستقبل.
ووفقاً للتقرير، فإن الشركتين الأميركيتين تسعيان إلى توسيع نشاطهما الإنتاجي في عدد من الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدّرة للبترول (أوبك)، بما في ذلك دول تقع في قلب بؤر التوتر الجيوسياسي عالمياً. وتستفيد الشركتان في ذلك من السياسة الخارجية الأميركية الأكثر حزماً، والتي تسهم – بحسب التقرير – في تهيئة بيئة سياسية داعمة لإبرام صفقات طاقة كبرى في مناطق حسّاسة.
العراق ضمن خريطة التوسّع الأميركي في الطاقة
وأشارت بلومبرغ إلى أن الولايات المتحدة لا تكتفي بدعم تحركات إكسون وشيفرون في العراق فحسب، بل تساندهما أيضاً في مفاوضات جارية أو محتملة في دول أخرى مثل ليبيا، الجزائر، أذربيجان، وكازاخستان، استناداً إلى إفصاحات علنية ومصادر مطّلعة فضّلت عدم الكشف عن هوياتها نظراً لحساسية المباحثات.
وفي السياق العراقي، وقّعت إكسون موبيل في أكتوبر الماضي اتفاقاً مع الحكومة العراقية لدراسة تطوير حقل مجنون النفطي العملاق، أحد أكبر الحقول غير المطوّرة بالكامل في البلاد، فيما كانت شيفرون قد سبقت ذلك بعدة أشهر بتوقيع اتفاق مماثل لدراسة مشروع حقل الناصرية في جنوب العراق.
كما أبدت الشركتان اهتماماً بتولي تشغيل حقل غرب القرنة – 2، الذي يساهم بنحو 10% من إجمالي إنتاج النفط العراقي، وذلك في وقت وافقت فيه الشركة المشغّلة حالياً، لوك أويل الروسية، على بيع معظم أصولها الدولية إلى مجموعة كارلايل الأميركية، ما فتح الباب أمام تغييرات محتملة في خريطة المستثمرين داخل القطاع النفطي العراقي.
حسابات سياسية واقتصادية داخل بغداد
وبحسب بلومبرغ، يرى بعض أفراد النخبة السياسية العراقية أن استقطاب استثمارات من شركات نفط أميركية كبرى لا يحمل بعداً اقتصادياً فقط، بل يعكس أيضاً رسالة سياسية واضحة باستقلالية القرار العراقي عن النفوذ الإيراني. ويعتقد هؤلاء أن توسيع الوجود الأميركي في قطاع الطاقة قد يساعد في تحسين موقع العراق التفاوضي مع واشنطن، في وقت تشهد فيه العلاقات الأميركية–الإيرانية مزيداً من التدهور.
ونقلت الوكالة عن مسؤولين عراقيين مطّلعين على هذه الحسابات، قولهم إن بغداد باتت تشعر بالإحباط من بطء وتيرة تطوير الحقول النفطية من قبل بعض الشركات الروسية والصينية، معتبرين أن دخول شركات أميركية بخبراتها التقنية ورأسمالها الكبير قد يسهم في تسريع عمليات التطوير، ورفع الكفاءة الإنتاجية، وتحسين إدارة المكامن النفطية.
كما يرى هؤلاء أن وجود شركات أميركية كبرى قد يشكّل عامل ردع غير مباشر، يخفف من احتمالات تعرّض العراق لتداعيات أي صراع محتمل بين إيران من جهة، وإسرائيل أو الولايات المتحدة من جهة أخرى.
عراق ما بعد الانتخابات… انتظار الحسم السياسي
ورغم هذه التوجهات، يشير التقرير إلى أن تحقيق اختراق فعلي في هذه الملفات يبقى مرهوناً بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وهي عملية ما زالت متعثرة منذ الانتخابات التي أُجريت في نوفمبر الماضي، نتيجة الخلافات بين القوى السياسية حول ترتيبات تقاسم السلطة.
وبحسب بلومبرغ، لم يُخفِ مسؤولون في الحكومة العراقية المنتهية ولايتها رغبتهم الواضحة في تعميق الشراكة مع إكسون موبيل وشيفرون، معتبرين أن هذه الخطوة تمثل جزءاً من إعادة تموضع العراق إقليمياً ودولياً.
خلفية: العلاقات الأميركية–العراقية… من الأمن إلى الطاقة والاقتصاد
أولاً: الإطار السياسي والاستراتيجي
منذ عام 2003، شكّلت الولايات المتحدة لاعباً مركزياً في المشهد العراقي، بدءاً من الإطاحة بنظام صدام حسين، مروراً بإعادة بناء المؤسسات الأمنية، وصولاً إلى التعاون في مكافحة تنظيم “داعش”. وعلى الرغم من التوترات المتكررة، لا سيما بعد تصاعد النفوذ الإيراني داخل العراق، ظلّ العراق شريكاً استراتيجياً لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط.
ثانياً: النفط والطاقة في قلب العلاقة
يُعد قطاع الطاقة حجر الزاوية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فالولايات المتحدة تنظر إلى العراق بوصفه:
أحد أكبر منتجي النفط في العالم
لاعباً رئيسياً في استقرار أسواق الطاقة العالمية
ساحة تنافس بين الشركات الغربية من جهة، والروسية والصينية من جهة أخرى
وفي المقابل، يسعى العراق إلى:
تنويع شركائه الدوليين
تقليل الاعتماد على الشركات الآسيوية والروسية
الاستفادة من التكنولوجيا الأميركية المتقدمة في الاستخراج والإدارة النفطية
ثالثاً: التبادل التجاري والاستثمار
يبلغ حجم التبادل التجاري بين العراق والولايات المتحدة عدة مليارات من الدولارات سنوياً، ويشمل:
معدات وخدمات نفطية
طائرات مدنية
منتجات زراعية
تكنولوجيا وبنى تحتية
كما تشجّع واشنطن الشركات الأميركية على الاستثمار في العراق، ليس فقط في النفط، بل أيضاً في الغاز، الكهرباء، البتروكيماويات، والبنية التحتية، ضمن رؤية تهدف إلى تقوية الاقتصاد العراقي وربطه بالمنظومة الغربية.
رابعاً: انفتاح عراقي محسوب على واشنطن
في ظل اشتداد الصراع الأميركي–الإيراني، يحاول العراق انتهاج سياسة التوازن الدقيق، عبر:
الحفاظ على علاقاته مع إيران بحكم الجغرافيا والواقع السياسي
وفي الوقت نفسه، توسيع شراكته مع الولايات المتحدة لتفادي العقوبات والضغوط
ومن هنا، تأتي أهمية الانفتاح على شركات مثل إكسون موبيل وشيفرون، بوصفه خياراً اقتصادياً، ورسالة سياسية، وأداة حماية جيوسياسية في آنٍ واحد.







