تقرير خاص | وكالة حرية – 8 شباط 2026
منذ أشهر، يعيش العراق واحدة من أكثر أزماته الدستورية حساسية، مع استمرار الشغور في منصب رئيس الجمهورية، في مشهد يعكس عمق الانسداد السياسي، ويكشف مرة أخرى هشاشة النظام القائم على التوافقات والمحاصصة بدل الاحتكام الفعلي للدستور والمؤسسات.
ورغم تكرار الدعوات لعقد جلسات انتخاب رئيس الجمهورية داخل مجلس النواب، إلا أنّ هذه الجلسات تنتهي في كل مرة بالفشل، نتيجة غياب النصاب القانوني، واستمرار الخلافات بين الكتل السياسية، لا سيما داخل البيت الكردي، الذي يُفترض أن يحسم هذا المنصب وفق الأعراف السياسية السائدة منذ عام 2003.
الخلاف الكردي: صراع نفوذ لا تنافس ديمقراطي
يُعدّ الانقسام بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، العامل الأبرز في تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية. فبدل أن يكون التنافس على المنصب تنافسًا سياسيًا ديمقراطيًا يُدار داخل البرلمان، تحوّل إلى صراع نفوذ مفتوح، تُستخدم فيه أدوات التعطيل والفيتو السياسي، في محاولة لفرض مرشح بعينه أو انتزاع مكاسب أوسع تتجاوز حدود المنصب نفسه.
هذا الخلاف لا يرتبط فقط بالأسماء المطروحة، بل يعكس صراعًا أعمق على زعامة القرار الكردي في بغداد، وعلى موقع إقليم كردستان داخل معادلة السلطة الاتحادية. ومع غياب آلية داخلية لحسم الخلاف، انتقل الصراع إلى قاعة البرلمان، ليصبح عامل شلل للمؤسسة التشريعية بأكملها.
دستور مُعطّل… وسياسة تُدار بمنطق الصفقة
من الناحية الدستورية، تبدو الآليات واضحة؛ فالدستور حدّد شروط انتخاب رئيس الجمهورية، ونصاب الجلسة، وآلية التصويت. لكن التجربة أثبتت أن النصوص الدستورية وحدها غير كافية في ظل طبقة سياسية تتعامل مع الدستور بوصفه أداة ضغط، لا مرجعية ملزمة.
النصاب القانوني، الذي يفترض أن يكون ضمانة للتوافق، تحوّل إلى سلاح تعطيل، والتصويت السري أصبح وسيلة للمناورة السياسية، فيما تُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الدستوري الحقيقي، وتُدار وفق حسابات الصفقات والتحالفات المؤقتة.
المحاصصة: الجذر الحقيقي للأزمة
أزمة رئاسة الجمهورية لا يمكن فصلها عن نظام المحاصصة الذي حكم العراق طوال العقدين الماضيين. فهذا النظام لم يكتفِ بتقسيم المناصب على أسس قومية وطائفية، بل عطّل مبدأ الكفاءة والاستحقاق، ورسّخ منطق “الفيتو المتبادل” بين القوى السياسية.
في ظل هذا الواقع، لم يعد شغور المنصب الرئاسي يُنظر إليه كأزمة وطنية طارئة، بل كورقة تفاوضية تُستخدم لرفع سقف المطالب، أو لفرض توازنات جديدة داخل السلطة والنتيجة هي إطالة أمد الفراغ الدستوري، وتعميق فقدان الثقة الشعبية بالعملية السياسية برمتها.
تداعيات خطيرة على الدولة والاستقرار
استمرار الفراغ في منصب رئيس الجمهورية لا يقتصر تأثيره على الجانب الشكلي أو الرمزي، بل ينعكس بشكل مباشر على عمل المؤسسات الدستورية، ومسار التشريعات، واستقرار النظام السياسي. كما يضعف صورة العراق أمام المجتمع الدولي، ويعزز الانطباع بأن الدولة عاجزة عن إدارة استحقاقاتها الدستورية الأساسية.
ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية، يرى مراقبون أن إطالة أمد هذا الفراغ تُضيف عبئًا جديدًا على الاستقرار الداخلي، وتُعمّق الهوة بين الشارع والطبقة السياسية.
إلى أين يتجه الحل؟
يرى مختصون أن كسر حلقة الفراغ يتطلب أولًا حوارًا سياسيًا جادًا، يبدأ من داخل البيت الكردي، ويمتد إلى تفاهمات وطنية أوسع، تُعيد الاعتبار لمنطق الدولة على حساب منطق المحاصصة فالدعوة إلى جلسات متكررة من دون تسوية سياسية مسبقة لن تنتج سوى مزيد من الفشل وإهدار الوقت.
وفي ظل استمرار العقلية ذاتها، تبقى رئاسة الجمهورية عالقة بين دستور مكتوب لا يُطبّق، ونظام سياسي يرفض التخلي عن قواعد لعبة استنفدت صلاحيتها، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا هل يمتلك الفاعلون السياسيون الشجاعة لكسر هذا الانسداد، أم أن الفراغ الدستوري سيبقى عنوانًا دائمًا لأزمة الدولة العراقية؟







