وكالة حرية | الخميس 25 ايلول 2025
الدكتور صفاء مهدي الوائلي
في خِضَمّ الفيض الرقمي الهائل، تتصاعد معركة خفية بين نمطين من المحتوى: الهابط الذي يلهث وراء الشهوات الآنية، والراقي الذي يطمح إلى تنمية العقل والروح. فكيف يمكن كفة الرقي أن ترجح في هذه الساحة الواسعة؟
لا يُقيم هذا الصراع على منصات التواصل فحسب، بل في عقول المتلقين وقلوبهم. فالمحتوى الهابط، كالغبار الذي يعلو سطح الماء، يظهر بسرعة ويختفي دون أثر، بينما يشبه الراقي النبتة الأصيلة، تنمو ببطء ولكنها تثمر معرفةً وأصالة.
ولتشجيع المحتوى الراقي، تبرز عدة مسارات:
أولاً، يقع العبء الأكبر على عاتق المؤسسات التربوية والإعلامية، بتبني سياسات داعمة للإبداع الجاد، وتقديم محتوى هادف يثري المعرفة وينمي الذوق العام، بدلاً من الانسياق وراء مقاييس المشاهدات وحدها.
ثانياً، يجب تعزيز التربية الإعلامية للنشء، وتعليمهم مهارات النقد والتمييز، ليصبحوا مستهلكين أذكياء قادرين على انتقاء الجيد ورفض الرديء، مما يخلق طلباً جماهيرياً يُلزم المنتجين بالارتقاء.
ثالثاً، تشجيع المبدعين والقادرين على إنتاج محتوى راقٍ، من خلال تقديم الدعم المادي والمعنوي، وإبراز نماذجهم الناجحة، وخلق منافذ عرض مضمونة تصل لإلهام أكبر شريحة ممكنة.
يرتبط تشجيع المحتوى الراقي ارتباطاً وثيقاً بالمنظومة القيمية للمجتمع، فهو ليس مجرد خيار ثقافي بل تجسيد حي لقيمها. فالمحتوى الهابط يُضعف قيماً أساسية كالصدق والجمال والعمق، ويستبدلها بقيم سلبية مثل الاستهلاكية والسطحية والانتهازية.
في المقابل، يعد المحتوى الراقي حصناً منيعاً يحمي قيم المجتمع الأصيلة، كطالب العلم، والأخلاق، والجمال، والهوية. فهو يعزز قيمة المعرفة ويجعل السعي وراءها غاية سامية، كما يرسخ قيمة الاحترام من خلال تقديم خطاب متزن يحترم عقل المتلقي ومشاعره.
الأهم من ذلك، أن المحتوى الراقي يغذي قيمة المسؤولية الاجتماعية، حيث يشعر المنتج والمستهلك معاً بالمسؤولية تجاه بناء مجتمع أفضل. لذلك، يصبح تشجيع هذا المحتوى واجباً قيمياً يحافظ على كينونة المجتمع وأخلاقه، ويضمن انتقال قيمه النبيلة إلى الأجيال القادمة سليمة رصينة.
ختاماً، فإن تشجيع المحتوى الراقي ليس ترفاً، بل ضرورة لحماية هويتنا وبناء أجيال قادرة على التفكير النقدي والإبداع. إنه استثمار في رأس المال البشري، وخط الدفاع الأول أمام الغزو الفكري العشوائي. فباختياراتنا اليوم، نصنع واقع ثقافتنا غداً.







